آخر تحديث :الأحد-08 فبراير 2026-11:10م
أخبار وتقارير


قضية شعب الجنوب: بين الحقائق الجيوسياسية وخطاب التسطيح الإقصائي

قضية شعب الجنوب: بين الحقائق الجيوسياسية وخطاب التسطيح الإقصائي
الأحد - 08 فبراير 2026 - 10:02 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/د. أمين العلياني

إذا كان الفكر السياسي يتأسس على قراءة الواقع بموضوعية، والخطاب الإقصائي يتخفى وراء لغات التمويه والتسطيح، فإن ما ورد في مقال الدكتور مصطفى ناجي تحت عنوان "رهائن القضية الجنوبية" لا يعدو كونه محاولة منهجية لطمس حقائق التاريخ والسيادة، وتقديم قضية شعب الجنوب كمجرد حالة شعورية أو رهان نخبوِي حد تعبيره، متجاوزًا بذلك الجوهر المركزي: أن قضية الجنوب هي قضية سيادة وهوية وانتماء وجغرافيا، قبل أن تكون مظلومية أو حقوقًا قابلة للتفاوض.

من هنا، فقد سقط الكاتب في فخ القراءة الأحادية، التي تنظر إلى الجنوب ككيان تابع، وكقضية يمنية داخلية، متجاهلًا أن دولة الجنوب كانت كيانًا سياسيًّا مستقلًا ذا سيادة على حدود معترف بها دوليًا قبل عام 1990م. وأي محاولة لاختزال نضال شعب الجنوب بأكمله، المتجسد في مطالبه باستعادة دولته المستقلة، إلى مجرد تعبير عن تناقض أخلاقي أو عجز سياسي لدى النخب الشمالية، هو تجسيد للروح الاستعلائية نفسها التي يتحدث عنها الكاتب، وإن كانت تعابيره تحت عباءة التحليل النفسي للظاهرة.

إن الخطورة لا تكمن فقط في هذا التسطيح، بل في تحويل قضية شعب الجنوب من جوهرها السياسي والقانوني إلى ملف للابتزاز والمحاصصة داخل الشرعية المزعومة من قبل الجنوبيين، وهو أمر مثير للسخرية؛ فالكاتب، رغم إشارته إلى مخاطر الاحتلال الحوثي للشمال، يساوي بين خطرين غير متكافئين، ليس فقط مخالفًا للحق، بل متناقضًا: بين مشروع احتلال عسكري مذهبي في الشمال، ومشروع تحرر وطني يستند إلى شرعية تاريخية وقانونية في الجنوب.

وهنا يبرز التناقض الجلي: فالدعوة إلى استعادة الدولة اليمنية من الحوثي تصبح مقدسة بالنسبة لشعب الشمال، بينما المطالبة باستعادة دولة الجنوب من قبل شعب الجنوب تصبح في نظره إقصائية أو أنانية سلطوية. فأي منطق هذا الذي يجيز التحرير واستعادة الدولة من احتلال الحوثي حقًا عادلًا، ويمنع عن الجنوب استعادة دولته المستقلة، وهي حق قانوني تطالب به إرادة شعب الجنوب، ويراه إقصائيًا وابتزازيًا؟

الأكثر إثارة للقلق هو تحويل قضية شعب الجنوب إلى مكافئ موضوعي للهولوكوست في الذهنية النخبوية. وهذا التشبيه ليس مجازًا بريئًا، بل استغلال فج للمعاناة الإنسانية لتبرير العجز عن قراءة الحقائق بموضوعية. وبهذا، فقضية الجنوب ليست محرقة خيالية في وعي النخب، بل هي واقع مادي: احتلال عسكري شمالي من عام 1994 حتى اليوم، ومصادرة للمقدرات، وتغيير ديمغرافي ممنهج، وإلغاء لدولة شعب وحق سياسي ذات سيادة. فتحويل هذا الواقع إلى "هولوكوست عاطفي" هو إهانة لذكاء الشعب ولتاريخ نضاله واستحقاق تضحياته.

إن حديث الكاتب عن مناطق استقرار جاذبة ورفضه إياها كـ "استسلام" لمنطق قضية شعب الجنوب الإقصائي يكشف النوايا الحقيقية: أن استقرار الجنوب، بوصفه كيانًا متميزًا، ليس أولوية، بل هو تهديد للمشروع المركزي الذي يريد إبقاء الجنوب ساحة للمحاصصة والصراع. ومنطق العدالة النسبية، حد تعبيره، هو ذاته منطق الإقصاء، فهو يرفض الاعتراف بأن العدالة المطلقة للجنوب تكمن في استعادة سيادته الكاملة، لا في حصته من كعكة الفساد والإدارة الفاشلة.

ختامًا، يحاول المقال أن يقدم نفسه كصوت عقلاني وسط حالة شعورية مشتعلة، غير أن العقلانية الحقيقية تقتصر على الاعتراف بالحقائق التاريخية والقانونية. ومن هنا، فقضية الجنوب ليست شبحًا في ضمير النخب، بل هي إرادة شعب، وجغرافيا محددة، وذاكرة جماعية لمحو هوية وسيادة وانتماء وحق سيادي. وأي معالجة لمستقبل الشمال اليمني والمنطقة لن تنجح إلا بالاعتراف بهذه الحقيقة المركزية: استقرار الجنوب بسيادته هو مدخل استقرار الشمال والمنطقة بأكملها. وأي حديث آخر، مهما توشح بلغة التحليل النفسي أو السياسي، يبقى مجرد محاولة لتأبيد الوصاية وإنكار الحق.

إننا هنا لسنا أمام رهائن لقضية توصف كجهة جغرافية، بل أمام قضية شعب رهينة احتلال، يرفض أن يكون رقمًا في معادلات النخب الفاشلة. والرد على خطاب التسطيح يكون بتأكيد الحقيقة بأبسط كلماتها: الجنوب كان دولة، وسيعود دولة بإرادة شعب الجنوب وقيادته المفوضة من الشعب، وكل قراءة تتجاهل هذا اليقين هي قراءة ملغومة بنوايا الإقصاء، ومحكوم عليها بأن تطفو فوق سطح المشكلة عاجزة عن الغوص في أعماقها.