كتب /صلاح السقلدي:
اللقاء التشاوري الذي عُقد اليوم في الرياض يمثل رسالة سعودية لطمأنة الأطراف الجنوبية وبث الثقة بالمملكة، بعد أن اهتزت هذه الثقة مؤخراً لدى الجنوبيين، وخصوصاً المحسوبين على المجلس الانتقالي، نتيجة تدخلها العسكري الدموي في حضرموت والضالع. الحوار التشاوري المفتوح السقف يمكن اعتباره خطوة أولى أو "رمي الطُعم" تمهيداً لعقد سياسي أكبر، رغم أنه اقتصر على فصيل واحد فقط، ولا تزال الرياض تحتفظ بالكثير من الأوراق للأيام القادمة.
رغم ما تتبعه المملكة من خطوات عسكرية وسياسية واقتصادية وتنموية في الجنوب لاستهداف المجلس الانتقالي واحتواءه، إلا أنها لا تسعى لتدميره بالكامل في الوقت الراهن. فهي تدرك صعوبة ذلك، نظرًا للوزن الشعبي المتبقي للانتقالي ورئيسه الزبيدي، خصوصاً في المحافظات الجنوبية الغربية. لذلك، تُرحّل خطتها لإضعافه تدريجياً وإثبات فشله وصولاً إلى تحجيم دوره السياسي، بدءاً من تطبيع الأوضاع على الأرض، إعادة توزيع القوات الجنوبية بين الموالين للرياض وللشرعية، انتظام الخدمات والمرتبات، وانتهاءً بنجاح حوار الرياض وإخراج كيان جنوبي موسع يوازن القوى دون هيمنة أي طرف، بما يسمح للرياض بالتحكم والسيطرة.
الشهور الماضية أثارت قلق المملكة بسبب ما جرى في حضرموت، والدور الطامح للإمارات في بوابتها الجنوبية الشرقية على حساب الدور التاريخي للسعودية، التي تعتبر نفسها أحق بالتحكم في العمق الحضري وامتداد البحر العربي. لهذا، قامت الرياض بما يمكن اعتباره "عملية جراحية طارئة".
بالمجمل، تسعى الرياض لإعادة رسم المشهد الجنوبي بالكامل، بإشراك قوى وشخصيات جديدة مهما كانت توجهاتها السياسية والحزبية، واستبعاد أو تحجيم شخصيات كانت مؤثرة حتى عهد قريب.
السعودية كانت ولا تزال أكثر الجهات الخارجية استفادة من ظهور القضية الجنوبية منذ اتفاقيات 1994، وصولاً إلى استفادتها في حرب 2015 ضد الحوثيين. ولا تزال توظف القضية الجنوبية بذكاء لتعزيز حضورها شمالاً وجنوباً، ضمن صراع النفوذ مع الإمارات وقطر وسلطنة عمان.
لذلك، من الخطأ الاعتقاد أن المملكة تسعى لمحو القضية الجنوبية أو إنهاء المجلس الانتقالي بالكامل، أو لإعادة الجنوب تحت مظلة الوحدة اليمنية بنسختي 1990 أو 1994. ما تعمل عليه هو وضع خنثى: لا وحدة حقيقية ولا انفصال صريح.
السعودية تستخدم القوى المشتتة والمرتهنة لخدمة مصالحها وطموحاتها، تمنحها الحد الأدنى من الفوائد مقابل خدمات كبيرة، تضعف القوى إلى مستوى محدد دون شطبها، وتقوي الضعيف إلى مستوى لا يتجاوز السيطرة والخضوع، وفق تجربة تاريخية شمالاً وجنوباً منذ عقود.
في النهاية، هذا نهج الدول التي تجعل مصالحها العليا فوق كل العلاقات والتحالفات والاعتبارات السياسية.