آخر تحديث :الأحد-18 يناير 2026-07:58م
أخبار وتقارير


دلالات البَرَد والجراد في الذاكرة الزراعية

دلالات البَرَد والجراد في الذاكرة الزراعية
الأحد - 18 يناير 2026 - 02:21 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

قال الأجداد، وهم الأقرب إلى الأرض وصدق الطبيعة:

«البَرَد ماءٌ بالباري، والجراد لحمٌ بالكتافي».

كلمات قليلة، لكنها تحمل في طياتها وعيًا بيئيًا وزراعيًا عميقًا، وتجربةً تراكمت عبر أجيال عاشت مع المطر والتراب والموسم والزرع.

في الموروث الشعبي، لم يكن البَرَد مجرد ظاهرة جوية عابرة، بل كان بشارة ماء. فسنة البَرَد تعني أن السماء فتحت خزائنها، وأن الأرض شربت حتى ارتوت، وأن المياه الجوفية ستكون قوية، قادرة على الصمود في مواسم الجفاف اللاحقة. كان الفلاح يرى في البَرَد أملًا مؤجلًا، لا خطرًا آنيًا فقط.

أما الجراد، ورغم ما يحمله من خسائر للمحاصيل، فقد نظر إليه الأجداد من زاوية أخرى. فسنة الجراد تعني قوة في الأكتاف والساعد؛ أي أن الناس يعملون أكثر، ويتحركون أكثر، ويعتمدون على سواعدهم في مواجهة التحديات. فالجراد لم يكن نهاية الحياة، بل اختبارًا للإرادة، ودافعًا للعمل، والتكافل، والصبر.

اليوم، في بلادنا، نعيش ظروفًا لا تقل قسوة عما واجهه الأجداد، بل ربما أشد تعقيدًا: تغيّر مناخي، وشحّ في الإمكانيات، وأزمات اقتصادية، وإهمال للقطاع الزراعي، رغم أنه الضمانة الحقيقية للأمن الغذائي.

تمرّ علينا مواسم أمطار دون أن نحسن حصادها، وتضربنا آفات دون أن نستعد لها علميًا ومؤسسيًا. ولو عدنا إلى حكمة الأجداد، لوجدنا أنهم علمونا أمرين في غاية الأهمية:

اقرأ الظواهر ولا تلعنها فقط.

فالمطر، حتى وإن جاء على هيئة بَرَد، هو فرصة لتغذية الأرض والمياه الجوفية إذا أحسنا إدارة السيول وحمايتها.

حوّل المحنة إلى قوة.

فالجراد، كما قالوا، يقوّي الأكتاف؛ أي يدفع الناس للعمل، والاعتماد على الذات، وتطوير وسائلهم في الزراعة والحماية والإنتاج.

بلادنا لا تحتاج فقط إلى الشكوى من المواسم الصعبة، بل إلى إحياء ثقافة الفهم والتكيّف والتخفيف، وربط التراث بالعلم، والحكمة الشعبية بالتخطيط الحديث.

نحتاج إلى إدارة مياه ذكية، وزراعة واعية، واستعداد مبكر للآفات، بدل انتظار الكارثة ثم الندم.

لقد علّمنا الأجداد أن الطبيعة ليست عدوًا، بل معلّم قاسٍ أحيانًا، لكنه صادق دائمًا.

فهل نصغي اليوم لما قالوه؟

أم نترك الحكمة تُدفن مع أصحابها؟

رسالتي إلى المزارع:

لا تخف من الموسم الصعب، بل استعد له.

احرث أرضك، واستقبل المطر.

فالمطر يُخزَّن في الأرض، والتعب يُخزَّن في الساعد،

وكلاهما يصنعان مستقبلًا أقوى.

عبدالقادر السميطي

دلتا أبين