آخر تحديث :الأربعاء-14 يناير 2026-02:27ص

همس اليراع.. رسالتي إلى المتحاورين في الرياض

الأربعاء - 14 يناير 2026 - الساعة 12:21 ص

د.عيدروس نصر ناصر
بقلم: د.عيدروس نصر ناصر
- ارشيف الكاتب

السلام عليكم أيها الآباء، أيها الإخوة والأخوات المشاركون في مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي في عاصمة المملكة العربية السعودية الشقيقة، الرياض.

لا أريد أن أطيل الحديث حول أهمية حواركم وما هو منتظر منكم من قبل الشعب الجنوبي، لكنني سأبدأ بافتراض أنكم ستعقدون اجتماعاتكم في أجواء من الودية والحرية والندية، بعيدًا عن أية ضغوط أو إملاءات من أحد، كما عودنا الأشقاء في المملكة ومعهم بقية الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم الانطلاق نحو أفق جديد في علاقة أبناء الجنوب ببعضهم وبشعبهم وبالمشروع الذي يريدونه منكم.

ومن هذا المنطلق، اسمحوا لي أن أشير إلى القضايا التالية:

إن الحوار الجنوبي-الجنوبي يجب أن ينطلق من تحديات المستقبل وليس من ترسبات الماضي، وهو ما يستدعي التوقف عن النبش في صراعات الماضي ومغالباته، والانطلاق من حكمة التصالح والتسامح التي رفع الجنوبيون شعارها على مدى أكثر من 18 عامًا في محاولة تكريسها كثقافة وقيمة أخلاقية، لا كشعار إعلامي فقط. كما يعني هذا استبعاد ثقافة الانتقام والثأر وتصفية الحسابات، وترك صراعات الماضي للتاريخ وأجياله القادمة ليستنبطوا منها العبر والدروس، لا ليثأر عبرها بعضهم من بعض. ذلك لأن التحدي الذي أمام شعبنا يتطلب مقدارًا من السمو الأخلاقي والمسؤولية الوطنية العالية قبل كل شيء.

إن وحدة 1990م وما تعرضت له من عواصف وحروب دامية في الأعوام 1994م و2015م و2019م و2026م، كلها أحداث جاءت لتبرهن أن خيار الدولة اليمنية الاندماجية الواحدة أصبح مستحيلاً، وأن البناء على خيار الغلبة وثنائية الغالب والمغلوب، والمنتصر والمهزوم، أو الأغلبية والأقلية السكانية، لا يبني دولة متجانسة متماسكة قابلة للحياة. وقد جربنا هذا الخيار خلال واحد وثلاثين عامًا بعد العام 1994م، لكنه أثبت فشله. والإصرار على تكرار تجريبه مرة أخرى لن يؤدي إلا إلى ضياع عقود أخرى من عمر الشعبين في الشمال والجنوب، يعيشونها في أجواء النزاع والاحتراب والمشاحنة والكراهية المتولدة عن عطب السياسات وحماقات المكابرة.

وانطلاقًا من النقطة السابقة، يمكن القول بقناعة أقرب إلى اليقين إن خيار الدولتين اليمنيتين المستقرتين والمتجاورتين والمتعايشتين والمتسامحتين والمتشاركتين، هو الخيار الممكن والأفضل أمام الشعبين الشقيقين في جنوب اليمن وشماله. وأن عملية دمج المنتصر والمهزوم أو الغالب والمغلوب في كيان واحد، هو من الخيارات المستحيلة لأنه يبقي على عوامل الانفجار كامنة حتى تحين لحظة اندلاعها، كما جرى في 1994م، حيث ما لبث اللهب أن اندلع في 2007م واستمر حتى وصل إلى 2015م وما تلاه من تطورات وتداعيات. أما ما حصل بالأمس القريب وما تزال تداعياته مستمرة، فليس سوى محطة ستليها محطات قد لا يرضى عنها الذين يرغبون في تعسف قوانين التاريخ ونواميس الطبيعة والمجتمع.

إننا نقول هذا ليس من باب الرغبات أو التمنيات، بل من وحي الواقع المعاش على الأرض. فالبلد المفترض أنه واحد موحد يعيش حالة الدولتين، ولم يكن مجرد انقلاب الحوثيين وشركائهم هو السبب، بل إن الأسباب الموضوعية التي قد ينكرها أو يجهلها البعض تكمن وراء هذا. فالشمال رضي أن يتعايش مع الانقلابيين بينما رفض الجنوب هذا التعايش معهم وحرر أرضه في أقل من مائة يوم. ومن ينكر هذا، فإنه كمن يعيش خارج الواقع أو كمن يحجب ضوء الشمس بالغربال. وكما نعلم، فإن تجربة العقود الثلاثة وما يزيد التي عاشها الشعبان منذ العام 1990م حتى اللحظة الراهنة تبرهن استحالة البقاء قسريًا في وضع الدولة الواحدة التي لا تتوفر لها شروط البقاء والنمو.

ثم إن العودة إلى وضع الدولتين لا يفرض بالضرورة أن تكون العلاقة بين الشعبين والنظامين والدولتين علاقات عدائية أو تنافرية. فالخروج الآمن من الوضع الراهن سيضع محددات تكفل للدولتين الشقيقتين المشتركات والمصالح ما يجعلهما أقرب إلى بعضهما من حالة الدولة الراهنة التي لم تحمِ الشمال ولا أمنت الجنوب، وأبقت الشعبين في حالة من القابلية للانهيار والذهاب نحو اللادولة.

إن العودة إلى وضع الدولتين لن تتم بين عشية وضحاها، بل ستتم من خلال تفاوض ثنائي (جنوبي-شمالي). وفي كل الأحوال، سنحتاج إلى فترة انتقالية يمكن الاتفاق على مدتها، لتكن من سنتين إلى خمس سنوات، يتم خلالها البت في مختلف القضايا التي تمس حقوق وواجبات الطرفين، والمشتركات بينهما، والعلاقات بين الدولتين المستقبليتين.

في حالة الاتفاق على أن يكون نظام الدولة خلال الفترة الانتقالية على شكل إقليمين شمالي وجنوبي، سيكون لدى الشماليين ما يمكن أن يقولوه ويفعلوه في ما يخص إقليمهم وطريقة إدارة وضعهم. لكنني أرى أن بقاء الجنوب موحدًا لن يكون إلا في إطار كيان فيدرالي يمنح الاستقلالية المالية والإدارية والتنظيمية لمكوناته الداخلية، التي يمكن أن نسميها بالمقاطعات أو الولايات أو حتى المحافظات.

وفي هذا السياق، أرى أن نظام المحافظات الثمان القائم حاليًا، أو الست الذي أسس عام الاستقلال عن بريطانيا (1967م)، لم يعد صالحًا للاستمرار، ولا بد من مراعاة الظروف والعلاقات والتمايزات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية. ولا بأس أن يكون في الجنوب القادم 15 أو حتى عشرين محافظة (أو ولاية أو مقاطعة)، فالأهم ليس عدد السكان أو المساحة، بل أن يحتكم الجميع إلى الحياة المؤسسية، وإلى دولة القانون والمواطنة المتساوية، وكل ما تتطلبه الدولة المدنية الحديثة من مبادئ الحوكمة والعدالة الاجتماعية، والأمان الاجتماعي، وكرامة الإنسان، وحريته، وحمايته من الضياع أو الخوف أو التعرض للذل والإهانة داخل البلد أو خارجه، وتوفير كل ما يستجيب لتحديات التنمية والنهوض بالمستقبل وبناء حياة مزدهرة لأجياله اللاحقة.

والله ولي الهداية والتوفيق.

أخوكم،

عيدروس نصر النقيب