رحم الله المناضل الكبير علي سالم البيض، رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والقائد الوطني الاستثنائي الذي غادر الدنيا اليوم، تاركًا خلفه تاريخًا ثقيلًا من النضال والتضحيات، ومسيرة سياسية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الجنوب واليمن عمومًا.
برحيله، لا يرحل شخص عادي، بل تُطوى صفحة رجل كان حاضرًا في أخطر المنعطفات التاريخية، وقائدًا تحمّل أعباء القرار في زمنٍ كانت فيه الخيارات مكلفة، والنتائج قاسية، لكنه اختار – بصدق وإخلاص – ما اعتقد أنه طريق الوطن.
كان علي سالم البيض مناضلًا صلبًا، تشكّل وعيه السياسي في زمن الاستعمار، وساهم بفاعلية في مسيرة التحرر وبناء الدولة في الجنوب، وتدرّج في المسؤولية حتى أصبح رئيسًا للجمهورية، محافظًا على هيبة الدولة ومفهومها، ومؤمنًا بأن الوطن لا يُدار بالولاءات الضيقة، بل بالمشروع الوطني.
وفي محطة الوحدة اليمنية، كان البيض شريكًا صادقًا؛ دخلها بنية خالصة، وإيمان حقيقي بأن الوحدة قدر تاريخي ومكسب للشعب، لا غنيمة سياسية. وقّع، وتقدّم، وتنازل، وراهن على الشراكة المتكافئة، والدولة الواحدة، والمؤسسات، لا على منطق القوة والغلبة. لكنه – للأسف – واجه شريكًا سياسيًا لم يكن يرى في الوحدة إلا طريقًا للهيمنة والإقصاء.
غُدر بالمشروع، لا بالرجل فقط؛ غُدرت الثقة، ودُهست الشراكة، وحُوّلت الوحدة من عقدٍ سياسي وأخلاقي إلى أداة حرب ونهب وإلغاء. وحين انفجرت الأزمة، لم يكن البيض طالبَ سلطة، بل مدافعًا عن شراكة منقوضة، وعن شعبٍ وجد نفسه خارج المعادلة.
دفع ثمن صدقه غاليًا: تشويه، وإقصاء، ونفي، وصمت طويل. لكنه بقي حاضرًا في الذاكرة الوطنية، رمزًا لمرحلة، وشاهدًا على خيانة مشروع، لا على فشله.
اليوم، وهو يودّع الدنيا، قد يختلف الناس حول المواقف، لكن التاريخ لا يختلف على الحقائق: أن علي سالم البيض كان قائدًا وطنيًا استثنائيًا، دخل المعارك السياسية بوجه مكشوف، وخرج منها دون أن يلطّخ تاريخه بسرقة أو فساد، وتحمل ما لم يتحمله كثيرون، وصمد حين انهار غيره.
/مشتاق ناصر