آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-08:45م
وثائقيات


مدرسة المقيصرة سرار «أم المدارس» رائدة التعليم النظامي على مستوى يافع، وحكايتها بين الدمج والانفصال

مدرسة المقيصرة سرار «أم المدارس» رائدة التعليم النظامي على مستوى يافع، وحكايتها بين الدمج والانفصال
الأحد - 01 نوفمبر 2026 - 07:25 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

بقلم الأستاذ/ طاهر حنش أحمد

«الجزء الأول»


صخرة العلم في قلب الجهل


عندما نتحدث عن مدرسة المقيصرة في سرار، فإننا لا نتحدث عن مبنى دراسي عابر، ولا عن مدرسة نشأت في ظروف طبيعية ميسرة، وإنما نتحدث عن صخرة شامخة، وقلعة من قلاع العلم، شُيدت على تلة جبلية صغيرة واقعة بالقرب من مناطق المريقب والعلاه، مقر مشيخة مكتب كلد «بن عطية»، في زمن كانت فيه الظروف تتحدى كل طموح، وكان التعليم لا يزال يحبو في خطواته الأولى.


كان المبنى واسعاً بمعايير زمانه، بُني على شكل براقات، مع وجود ساحة صغيرة جداً من الواجهة الأمامية للمدرسة، وبدون أي ملحقات تُذكر.


وقد شُيّد هذا الصرح في العام الدراسي 1965/1964م على يد المقاول أحمد محسن السنيدي بتمويل من قبل حكومة الاتحاد عن طريق القائم بالأعمال في سرار لمكتب كلد الشيخ زيد بن علي حيدرة العطوي.


ورغم أن هذه المدرسة لم تُسجّل رسمياً ضمن وزارة المعارف إلا أن الدراسة فيها كانت شبه نظامية تُدرّس اللغة العربية والحساب بكل ما يتعلق بالبيع والشراء والربح والخسارة والمقاسات والأوزان إلى جانب مبادئ العلوم والتربية الدينية. ورغم تشكيك بعض الأهالي بتبعيتها لحكومة الاتحاد، وبتدريس تلك المواد خارج كتاب الله المعتاد في الكتاتيب «المعلامات» إلا أن الحلم كان أكبر من التشكيك. وكان الأستاذ سعيد علي حسين من الأشخاص القائمين على تلك المعلامات حيث أنشأ أول معلامة أسفل ثمن «امرائه» عام 1959م، وأخرى في المقيصرة عام 1963م، بتكليف من الشيخ زيد الذي سرعان ما تحوّل طلاب هذه المعلامة مباشرة إلى المبنى الجديد بعد ما تم تجهيز أول براقين في ذلك الموقع.


من البدايات إلى فجر الاستقلال


في البداية تم تجهيز براقين اثنين فقط في تلك المدرسة، وكان أول معلم فيها الأستاذ سعيد علي حسين العمري، الذي يُعتبر أول رائد تربوي ومؤسس للتربية والتعليم في تلك المدرسة يتقاضى راتباً شهرياً يُقدّر بـ150 شلناً يُمنح من الشيخ زيد. والتحق بتلك المدرسة للدراسة عدد قليل جداً من الطلاب من مناطق محددة بسبب الحروب القبلية السائدة، وكان يدرّس إلى جانبه الأستاذان محمد سعيد محمد، ومعبد ثابت محمد. ومع استمرار الدراسة، تم استكمال بناء البراقين الآخرين اللذين كانا باتجاه أسفل متن.


ولكي ندرك قيمة تلك المدرسة، علينا أن نستحضر واقع التعليم آنذاك الذي كان محصوراً على تحفيظ القرآن في الكتاتيب، وبأعداد محدودة وللمقتدرين على دفع أجرة الفقيه، ومقتصراً على الذكور دون الإناث، وأماكنه لا تتجاوز مباني صغيرة مهجورة أو كهوفاً أو ظل شجرة.


ومن هنا جاءت مدرسة المقيصرة كحدث استثنائي كنافذة أطلت منها سرار على التعليم النظامي.


كانت مدرسة المقيصرة رسالة سبقت زمانها لتعلن بصمت شامخ أن للتعليم مكاناً هنا، وأن للعلم طريقاً يمكن أن يشقه الإنسان مهما وعرت المسالك. وكانت هذه المدرسة مؤهلة لاستقبال المؤيدين والمناصرين للنظام القائم آنذاك، وكانت حكومة «اتحاد الجنوب العربي» تزودها بالكتب والمستلزمات المدرسية عبر الجو، وهو ما تؤكده البيانات التي كانت تُدوّن على أغلفة الدفاتر المجانية الموزعة على الطلاب.


بعد الاستقلال الوطني.. الانفجار الطلابي


بعد الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م دخلت المدرسة مرحلة جديدة حيث اعتبر الأهالي أن هذا المبنى في قسم سرار الإداري إنجازاً كبيراً توفر لهم دون عناء، وكانوا يتباهون به أمام بقية الأقسام الإدارية التي بدأت تبحث عن أماكن لبناء صفوف دراسية يتعلم فيها أبناؤهم حتى لا يُحرموا من الدراسة في زمن عجزت فيه الدولة عن البناء في كل المناطق، والتحق بمدرسة المقيصرة عدد كبير من الطلاب الذكور بأعمار متفاوتة، وكانت عقولهم معلقة ببنادق قبائلهم عندما كانوا يشاهدون بعض المعلمين حاملين بنادقهم على أكتافهم!


هذا الإقبال الكبير ومكانة المدرسة فرضا على الدولة اعتمادها رسمياً وتزويدها بالكتب والمعلمين كما أشار الأستاذ منصور العطوي في مذكراته. وكان من بين الملتحقين من سبق وأن تلقوا تعليمهم فيها منذ التأسيس وشكلوا نواتها الأولى، وفئة أخرى من خريجي الكتاتيب التي كانت تُقام بالمناطق والقرى الأخرى، وكاتب السطور كان واحداً منهم، وفئة ثالثة مستحدثة تم تحديد الصف الأول لها. وهكذا تحولت المدرسة بعد فجر الاستقلال الوطني من تجربة محدودة إلى مركز إشعاع تربوي امتد أثره لكل مناطق سرار حتى استحقت لقب «أم المدارس» وصاحبة الريادة للتعليم في مكاتب يافع كلها.


البدايات الأولى وانتظام الدراسة


في العام الدراسي 1967/1968م كانت صفوف المدرسة تتكون من الأول إلى الثالث، ويقوم بالتدريس الأساتذة الكرام سعيد علي حسين، ومعبد ثابت محمد، ومحمد سعيد محمد، طيب الله ثراهم.


وخلال عامين، أصبحت البراقات لا تفي بالغرض المطلوب نتيجة الإقبال المتزايد للطلاب الجدد ونجاح الدارسين وانتقالهم إلى صفوف دراسية أعلى، فكان الحل العبقري المؤقت تقسيم كل براق إلى صفين دراسيين بقواطع من صفيح الزنج، لتصبح بذلك مساحة كل صف دراسي محدودة، ودخول الصفوف الجنوبية عبر أبواب الصفوف الشمالية، مما كان يسبب إرباكاً وتشويشاً للطلاب والمعلمين أثناء الحصص!


وأصبح المبنى يتكون من سبعة فصول ومكتب للمعلمين كان يُستخدم أحياناً سكناً لهم عندما رُفدت المدرسة بمعلمين من خارج المنطقة، ومنهم: باقري أحمد عابر، وصالح ناصر ناجي، وهرش عقيل عوض، ومحمد عبد صالح، ومحمد صالح عبيد، وسعيد محمد المسلماني، وعبداللاه الصبري، وعلي حسين علي، وحسين سعيد حسين، وآخرون، وقد تناوب معظم هؤلاء على إدارة المدرسة.


أما المناهج فكانت خليطاً يعكس مرحلة التأسيس: كتاب «أقرأ» الجزائري، والكتب السودانية للرياضيات من الأول إلى الصف الثالث، و«حدائق القراءة» اللبناني، والحساب والقياسات العراقية من الرابع إلى الصف السادس، وملازم خاصة للتربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا اليمنية والأدب والنصوص، حسب توجهات النظام وأيديولوجيته.


علماً بأن العام الدراسي كان يُقسم وفق التقويم المدرسي إلى ثلاثة فصول دراسية، وكل فصل زمنه ثلاثة أشهر، والإجازة الصيفية ثلاثة أشهر، واستمر هذا التقويم إلى عام 1971/1970م بعدها تم اعتبار العام الدراسي فصلين دراسيين فقط. وكانت نسبة النجاح 40٪ بمجموع المواد بغض النظر عن نسب الفشل بالمواد.


وكانت المدرسة نموذجاً متميزاً بالدراسة والأنشطة المختلفة حيث تأسست فيها فرقة للكشافة، واشتهرت مدرسة سرار بعروضها الرياضية وأنشطتها، وكانت تضرب الرقم القياسي في المهرجانات الوطنية على مستوى مدارس رصد وسرار وسباح.


الريادة التي لا تُنسى.. أول دفعة في يافع


إن مقياس أي مدرسة بأقدميتها على المدارس الأخرى هو تخرج دفعاتها المكملة للمرحلة الدراسية فيها، ومن هذا المنطلق فإننا نتكلم عن أرقام وحقائق عايشناها ونسرد ما توفر لدينا وبكل حيادية.


وعندما نقول إن مدرسة المقيصرة سرار هي أول مدرسة. نعم نقولها بالفم المليان إنها أول مدرسة من حيث المبنى والمخرجات، وكانت أول مدرسة في المنطقة تصل بمخرجاتها إلى إكمال التعليم الابتدائي بنظام الست سنوات.


ففي العام الدراسي 1971/1970م تخرجت منها أول دفعة أكملت الصف الخامس على مستوى مناطق يافع، وهم حسب الكشف (1):

زيد ثابت محسن / نبيل سالم صالح / حامد شيخ حسين / محمد عاطف ناصر / نصر صالح محمد / علي عباد علي / سعيد عبدالله صالح / زيد حسين زين / علي زيد علي / علي صالح سعيد / فضل محسن علي / حيدرة عبدالله زين / نصر سعيد عبدالله / محمد حسين زين / خضر محمد ثابت / نصر سعيد علي / محمد صالح علي.


غير أن المدرسة في ذلك العام لم تكن قادرة على استيعاب هذه الدفعة وتدريس منهج الصف السادس وتأهيل الطلاب لخوض الامتحانات الوزارية والتجريبية التي تؤهلهم لمواصلة التعليم الإعدادي؛ الأمر الذي دفع إدارة المدرسة والجهات المختصة آنذاك إلى ترتيب أوضاعهم وتحويلهم إلى مدرسة جعار حيث كان يتوفر لهم السكن والغذاء في القسم الداخلي.


مخرجات المدرسة إلى خارج المنطقة


من العام الدراسي 1972/1971م بدأت بعض المدارس تنافس مدرسة المقيصرة سرار بمخرجاتها التعليمية، فقد كان أمام الدفعة الثانية من مخرجات المدرسة: مدرسة رخمة والقارة ومدرسة من الحد وأربع مدارس من لبعوس.. سنوضح ذلك لاحقاً.


وكان طلاب مدرسة المقيصرة في ذلك العام وفق الكشف (2):

طاهر حنش أحمد / سالم سعيد جابر / جمال حسين زين / عبد المجيد سعيد شيخ / محمد حيدرة سالم / حسين محمد ثابت / علي زين علي / علي زين أحمد / محمد صالح سعيد / محسن فاضل سعيد / علي أحمد محسن / علوي سعيد منصور / محمد شائف علي / صالح عاطف علي / عادل نصر حسين / أحمد ناجي محمد / حمود محسن عاطف / علي محسن علي / حسين عبدالرحمن ثابت / محمد زين درويش / عبدالرحمن عباد حسين / محمد علي سالم / عبده فضل سالم / محمود محمد عبدالله / عبدالرحمن حسين ثابت / صالح أحمد محسن / محمد شيخ عبدالرب / علي أحمد علوي / صالح ناجي ناصر.


وقد انتقل طلاب هذه الدفعة إلى مديرية لودر بعد اتمامهم للصف الخامس ضمن مجموعة من طلاب مدرسة الشعلة رخمة، ومن مدارس مركز لبعوس: النهضة الذراحن، الجبل لعلي، ومدرسة بني بكر الحد، والجُربة عبدالقوي المفلحي، وعبدالرب لبعوس ذي صراء، والإصلاح هجر لبعوس، وذلك لاستكمال دراسة الصف السادس في إعدادية عبود لودر.


وكانت هناك دفعة أخرى من طلاب مدرسة القارة عددهم 12 طالباً، قد تم حل مشكلتهم مطلع العام الدراسي بنقلهم إلى مدينة جعار، وكل ذلك كان للأسباب التالية:

- نقص المعلمين وحتى يتمكنوا من المنافسة في الامتحانات الوزارية.

- تأخر وصول الكتب والمقررات الدراسية إلى المدارس.

- التباعد الجغرافي بالمناطق الجبلية بين المراكز الإدارية وبين المدارس ذاتها مما يصعب وصول الامتحانات بوقتها والإشراف عليها.


عام الدمج والاختلاط والتثبيت


- الدمج للمدرستين.

- الاختلاط بالتعليم ذكوراً وإناثاً.

- التثبيت للصف السادس.


ومن هنا تبدأ الحكاية، وهو موضوعنا الأساسي حول تلك المدرسة.

ففي العام الدراسي 1973/1972م حدث تحول كبير في مسيرة التعليم، فعندما نتحدث عن الدمج الذي حدث في ذلك العام، فنحن نتحدث عن دمج بين مدرستين لا تتشابهان في التاريخ ولا في الدلالة.


المدرسة الأولى: مدرسة «المقيصرة للذكور» صرح تاريخي بُني عام 1965/1964م في عهد الإدارة البريطانية قبل الاستقلال، وكما أوضحنا سابقاً.

والمدرسة الثانية: مدرسة «30 نوفمبر للبنات» حديثة بُنيت عام 1971/1970م أسفل مذابة، وهي أول مدرسة لتعليم البنات في المديرية الغربية، واستمرت الدراسة فيها عامين دراسيين مستقلة بذاتها، ومن أبرز المعلمات في هذه المدرسة عائشة محسن العاقل، ومريم محمد حيدرة، ثم لحق بهن كل من ملوك سالم منذوق، وزهور، ونور.


وهنا نبرز لكم مقارنة بين وضعية المدرستين بذلك العام من حيث التكوين بعدد الشعب الدراسية وعدد الطلاب والمعلمين والمبنى المدرسي لكل منهما:


الصف| المقيصرة.| 30 نوفمبر

الأول | 82 طالباً | 64 طالبة

الثاني | 52 طالباً | 38 طالبة

الثالث | 40 طالباً | 13 طالبة

الرابع | 42 طالباً | لا شيء

الخامس| 48 طالباً | لا شيء

السادس| 35 طالباً| لا شيء


الإجمالي 299 طالب| 115 طالبة

المعلمون 13. | 4

المبنى 6 | 7


لكن السؤال المطروح:

لماذا تم الدمج؟ وهل كان ضرورة تربوية فرضتها ظروف تلك المرحلة، أم أنه كان قراراً إدارياً لم تُدرس آثاره المستقبلية على مدرسة بهذا الحجم؟

وما هي النتائج المترتبة عن الدمج؟


كل ذلك ومعلومات أخرى نعرفها في الجزء الثاني.


تابعونا