اللقاء العلمي لكوادر محطات البحوث ومراكز إكثار البذور والسلالات والأصول الوراثية في بلادنا
لم يكن اللقاء العلمي الذي نظمته الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي لقاءً عاديًا، ولا مجرد اجتماع للباحثين ومديري المحطات والمراكز البحثية.
كان لقاءً استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لقاءً اجتمعت فيه قامات علمية صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ البحث الزراعي في بلادنا. وجاء البعض راجلًا يتوكأ على العكاز، لكنه جاء مدفوعًا بشيء أقوى من الجسد وأقوى من سنوات العمر.
جاء بدافع الوفاء للبحث العلمي.
كان المشهد مؤثرًا. رجال أفنوا أجمل سنوات أعمارهم بين الحقول والمختبرات ومحطات التجارب، عادوا إلى المكان محملين بذكريات جميلة عن أيام كان فيها للبحث الزراعي حضوره، وللباحث مكانته، وللمحطة رسالتها، وللنتيجة العلمية طريقها من المختبر إلى الحقل، ومن الحقل إلى المزارع.
كانوا يتحدثون عن الأمس، لكن عيونهم كانت تبحث عن الغد.
وكان الهم واحدًا… والوجع واحدًا…
والسؤال أكبر من الجميع…
ماذا حدث للبحث العلمي الزراعي في بلادنا؟
قطاعٌ كان يمضي إلى الأمام
الحقيقة التي ينبغي أن نقولها بكل صراحة وشفافية، إن البحث العلمي الزراعي في بلادنا لم يكن يومًا قطاعًا هامشيًا. لقد قطع الباحثون والكوادر الزراعية أشواطًا مهمة في استنباط الأصناف، وتحسين السلالات، وإكثار البذور، وحفظ الأصول الوراثية، ودراسة الآفات والأمراض، وتطوير الممارسات الزراعية.
كانت هناك محطات تعمل، وحقول تجارب، ومختبرات، وآليات، وأراضٍ مخصصة للبحث، وكوادر راكمت خبرات لا يمكن تعويضها بسهولة.
لكن السنوات الماضية كانت قاسية.
تعرض هذا القطاع لضربات موجعة، وفقدت بعض المحطات مبانيها وأراضيها وآلياتها ومرافقها، وتوقفت أجزاء كبيرة من نشاطها.
وفي بعض الأماكن لم يبقَ إلا شيء واحد… الذاكرة.
والذاكرة وحدها لا تكفي لبناء بحث علمي.
لا يمكن أن نبني المستقبل بأجزاء متناثرة.
من المؤلم أن نجد قطاعًا كان يعمل ضمن منظومة بحثية واحدة، ثم أصبح على مر السنوات موزعًا بين مسميات وهياكل واختصاصات مختلفة، حتى أصبح السؤال مشروعًا…
أين البيت الكبير للبحث العلمي الزراعي؟
إن إعادة بناء البحث الزراعي لا تعني فقط ترميم مبنى أو شراء جهاز أو إعادة تشغيل محطة.
إنها تعني قبل ذلك إعادة بناء المنظومة نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في كل ما يتصل بالبحث العلمي الزراعي من مراكز ومحطات ووحدات وبرامج وأصول ومهام، والعمل على تجميع ما تفرق منها وإعادته إلى مكانه الطبيعي ضمن حضن الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، بما يضمن وحدة القرار البحثي، وتكامل البرامج، وحسن استخدام الموارد، وعدم ازدواجية الاختصاصات.
وأقولها بكل صراحة…
الحليم تكفيه الإشارة.
فليس الهدف من هذه الدعوة إلغاء جهود أحد، ولا الانتقاص من أي مؤسسة أو مركز، وإنما الهدف أن نعيد ترتيب البيت العلمي الزراعي بما يخدم غايته الأساسية.
فالبحث العلمي يحتاج إلى مظلة واحدة، ورؤية واحدة، وأولويات واضحة، وبرنامج وطني متكامل.
أما تعدد المسميات وتشتت الاختصاصات، فلا ينبغي أن يكون على حساب الباحث أو المزارع أو التنمية الزراعية.
الهيئة ليست مبنى… بل ذاكرة وطنية
إن الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي ليست مجرد مبنى إداري.
إنها ذاكرة البحث الزراعي في بلادنا، ومستودع خبراته، والبيت الطبيعي الذي ينبغي أن تجتمع فيه محطات البحوث ومراكز إكثار البذور والسلالات والأصول الوراثية والبرامج البحثية المتخصصة مثل العسل والبن والنخيل وغيرها.
وإذا أردنا للهيئة أن تنهض، فلا يكفي أن نطلب منها المزيد من العمل بينما نترك أجزاءً من منظومتها خارج إطارها الطبيعي.
أعيدوا للهيئة أدواتها، ووحدوا منظومتها، وأعيدوا للباحث مكانه، ثم حاسبوا النتائج.
هذه هي المعادلة التي يمكن أن تعيد الثقة إلى قطاع البحث العلمي.
لا نريد العودة إلى نقطة الصفر
المشكلة أننا لا نبدأ من فراغ.
لدينا تاريخ طويل.
لدينا علماء وباحثون ومهندسون وفنيون.
لدينا أصناف وسلالات وتجارب وبيانات.
ولدينا أراضٍ ومحطات يمكن أن تعود إلى العمل.
ولدينا جيل من الباحثين القدامى يستطيع أن يسلم الراية لجيل جديد.
فلماذا نتصرف أحيانًا وكأننا نريد أن نبدأ كل شيء من جديد؟
لماذا لا نستفيد من الخبرة المتراكمة؟
ولماذا لا نعيد جمع ما تفرق من هذا القطاع في منظومة واحدة، ثم نبني عليها بدل أن نبدأ من الصفر؟
إن إعادة بناء البحث العلمي لا تعني إعادة اختراع العجلة.
بل تعني أن نستعيد ما كان صالحًا، ونصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ونضيف إليه أدوات العلم الحديث.
والموازنة ليست تفصيلًا ثانويًا
ويبقى السؤال الأصعب…
كيف نطلب بحثًا علميًا بلا موازنة بحثية حقيقية؟
الباحث يحتاج إلى حقل تجريبي ومختبر، وبذور، ومعدات، وتحاليل، وتنقل ميداني، وبيانات، وبرامج، وتمويل للتجارب.
والبحث الزراعي تحديدًا لا ينتظر نتائج فورية، فبعض التجارب تحتاج إلى مواسم وسنوات حتى تعطي نتائجها.
ولهذا فإن أي حديث عن النهوض بالبحث العلمي دون توفير موازنة تشغيلية واستثمارية مستقرة سيبقى ناقصًا.
من لقاء الذكريات إلى مشروع الإنقاذ
ربما كانت القيمة الحقيقية لهذا اللقاء أنه جمع من جديد أولئك الذين يعرفون قصة البحث الزراعي من الداخل.
وهذه فرصة لا ينبغي أن تضيع.
لماذا لا يتحول هذا اللقاء إلى نقطة انطلاق لمشروع وطني لإعادة بناء البحث العلمي الزراعي؟
مشروع يبدأ بتقييم شامل لكل المحطات والمراكز والأراضي والمختبرات والكوادر والأصول الوراثية والبرامج البحثية.
ثم وضع خريطة واضحة:
ما الذي بقي؟
ما الذي فقد؟
ما الذي يمكن استعادته؟
ما الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل؟
ما المراكز والبرامج التي ينبغي دمجها؟
وما الأولويات البحثية التي تحتاجها الزراعة اليوم؟
ثم تأتي الخطوة الأهم…
إعادة جمع منظومة البحث الزراعي تحت مظلتها المؤسسية الطبيعية، وتوفير الموارد اللازمة لها، وربطها بالإرشاد والمزارع والسوق.
رسالة إلى أصحاب القرار
البحث العلمي الزراعي لا يطلب المستحيل.
إنه يطلب أن يُعامل باعتباره استثمارًا في مستقبل البلاد.
فكل ريال يُنفق على استنباط صنف مقاوم للجفاف، أو حفظ مورد وراثي، أو مكافحة آفة، أو تطوير تقنية ري، أو تحسين إنتاجية محصول، يمكن أن يعود بالنفع على آلاف المزارعين.
وكل محطة بحثية تعود إلى العمل ليست مجرد محطة، إنها مدرسة ومختبر ومزرعة تجريبية ومصدر معرفة.
وكل باحث قديم نستعيد خبرته ليس مجرد موظف متقاعد أو كبير في السن، إنه مكتبة علمية تمشي على قدمين.
وأخيرًا…
في ذلك اللقاء، لم يكن العكاز هو الذي لفت الانتباه.
بل كان ما وراء العكاز.
كان ذلك الوفاء العميق لمهنة لم يتخلَّ عنها أصحابها رغم كل ما حدث.
كانوا يستطيعون البقاء في بيوتهم، لكنهم اختاروا أن يعودوا.
عادوا لأن في قلوبهم شيئًا لم يتقاعد.
حب البحث العلمي… حب الوطن.
وهنا تقع المسؤولية على أصحاب القرار. فلا تجعلوا هذا اللقاء مجرد صورة جميلة تجمع رفاق الأمس.
اجعلوه بداية عهد جديد للبحث الزراعي.
أعيدوا جمع ما تفرق.
أعيدوا للهيئة ما خرج من نطاقها الطبيعي.
أعيدوا تأهيل المحطات.
احفظوا الأصول الوراثية.
استعيدوا الأراضي البحثية.
ادعموا الباحثين.
وفروا الموازنات.
واربطوا البحث بالمزارع.
ثم افتحوا الطريق لجيل جديد يحمل الراية.
فإذا كانت الزراعة هي أساس الأمن الغذائي، فإن البحث العلمي هو العقل الذي يقودها.
وإذا كان قد بقي من محطاتنا شيء من الجدران، فقد بقي في صدور باحثينا شيء أهم، وهو المعرفة.
والمعرفة لا ينبغي أن تبقى ذكرى.
يجب أن تعود إلى الحقول.
م. عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين
3 أكتوبر 2026م