اليوم الثاني – الخميس 1 أكتوبر 2026م
مقر الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي – عدن
في اليوم الثاني من أعمال اللقاء العلمي، كان الموعد مختلفًا؛ موعدًا جمع تحت سقف واحد الباحثين ومديري المحطات والمراكز البحثية، في مشهد يحمل الكثير من الأمل، ويؤكد أن البحث العلمي، مهما أثقلته الظروف، لا يزال قادرًا على النهوض من بين الركام.
التقى الباحثون القادمون من محطة أبحاث الكود، ومحطات مأرب وتعز والمكلا وسيئون، ومؤسسة إكثار البذور، ومركز الأصول الوراثية، ومركز السلالات، في لقاء علمي خُصص لمناقشة التقارير الفنية للأصول الوراثية، والبرامج والأنشطة البحثية الخاصة بها للفترة 2026–2030م.
لم يكن اللقاء مجرد اجتماع لمراجعة التقارير والخطط، بل كان مساحة صادقة لطرح الواقع كما هو؛ واقع المحطات البحثية التي تحملت خلال سنوات الحرب أضرارًا بالغة، وطالها التدمير والتراجع، وفقدت الكثير من مقومات العمل، في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى العلم والبحث والزراعة.
وقد تميز اللقاء بطرح مسؤول وصريح من مديري المحطات والباحثين، الذين تحدثوا عن الصعوبات والتحديات التي تواجه العمل البحثي، مؤكدين أن إعادة بناء منظومة البحث الزراعي ليست ترفًا، وإنما ضرورة ترتبط مباشرة بمستقبل الزراعة والأمن الغذائي وحماية مواردنا الوراثية.
رسالة حب ووفاء من قيادة الوزارة
ومن أجمل ما ميّز هذا اللقاء حضور قيادة وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، ممثلة بمعالي الوكيل المهندس أحمد ناصر الزامكي، الذي حمل إلى الباحثين رسالة جميلة؛ رسالة حب ومودة ووفاء من معالي الوزير اللواء سالم عبدالله السقطري.
كانت الرسالة واضحة في مضمونها وعميقة في دلالاتها؛ أن البحث العلمي سيكون موضع اهتمام الوزارة، وأنها ستعمل إلى جانب الباحثين والمؤسسات العلمية في مختلف مناطق اليمن، من أجل معالجة قضايا البحث العلمي وتجاوز ما تراكم من صعوبات.
فلا تنمية حقيقية بلا علم، ولا زراعة مستدامة بلا بحث، ولا أمن غذائي يمكن أن يتحقق دون مؤسسات بحثية قادرة على إنتاج المعرفة وحماية الموارد الزراعية.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم هو أن البحث العلمي ليس جزءًا من التنمية فحسب، بل هو أحد أعمدتها الأساسية.
وقد أعطى حضور الوكيل المهندس أحمد ناصر الزامكي اللقاء حماسًا خاصًا، وشعر الباحثون بأن هناك من يستمع إليهم، ويشاركهم همومهم، ويفتح معهم نافذة جديدة نحو المستقبل.
حين يتحول الاختلاف إلى اتفاق
ولا يمكن أن يمر هذا اللقاء دون الإشارة إلى شخصية علمية تستحق كل التقدير، الدكتور خضر بلم عطروش، هذه القامة العلمية المتواضعة، التي أثبتت أن الاختلاف في الرأي يمكن أن يكون طريقًا إلى الاتفاق، وأن الحوار الهادئ قادر على جمع القلوب والعقول حول هدف واحد.
فكلما اشتد النقاش، كان يحاول أن يحوله إلى مساحة للتوافق، وكأن رسالته تقول لنا جميعًا:
لسنا هنا لنتغلب على بعضنا، بل لنتعاون من أجل العلم والزراعة والوطن.
وهكذا ينبغي أن نكون دائمًا...
على قلب ورب واحد، مهما اختلفت مواقعنا وتعددت تجاربنا.
محطة أبحاث الكود تفاجئ الجميع... والمزارع شريك في حفظ الذاكرة الوراثية
وكان لمحطة أبحاث الكود حضورها المميز في هذا اللقاء، حين فاجأت الجميع باستدعاء اثنين من كبار مزارعي الحبوب في محافظة أبين، هما المزارع خالد خريسان، والمزارع علي محمد قشعر.
ولم يكن حضورهما تفصيلًا عابرًا، بل كان رسالة بالغة الأهمية؛ أن البحث العلمي لا يعيش داخل المكاتب والمختبرات فقط، وأن المزارع ليس متلقيًا للمعرفة فحسب، بل هو شريك أصيل في إنتاجها وحفظها ونقلها من جيل إلى جيل.
هذان المزارعان من عشاق زراعة الحبوب، وقد ارتبطا بزراعة أصناف متعددة منها، وواصلا الاهتمام بالبذور المحلية والحفاظ عليها، لتبقى جزءًا من الذاكرة الزراعية للأرض.
وفي الحقيقة، فإن البذرة المحلية ليست مجرد حبة تُزرع في التربة، إنها ذاكرة أجداد، وخبرة أجيال، وتكيف طويل مع البيئة والمناخ والتربة.
ومن هنا تأتي أهمية أن تلتقي خبرة الباحث مع خبرة المزارع؛ فالمختبر يحتاج إلى الحقل، والحقل يحتاج إلى العلم، وكلاهما يحتاج إلى ذاكرة الأرض.
من الكود إلى عدن... أمل يتجدد
كان هذا اللقاء، بكل ما حمله من نقاشات وصعوبات وآمال، أشبه برسالة تقول إن الطريق لم ينتهِ.
من الكود إلى عدن، ومن مأرب إلى تعز والمكلا وسيئون، ومن مراكز الأصول الوراثية والسلالات وإكثار البذور إلى الحقول والمزارعين، تمتد خيوط حكاية واحدة عنوانها: العلم من أجل الأرض، والأرض من أجل الإنسان.
قد تكون المحطات قد أنهكتها سنوات الحرب، وقد تكون الإمكانات محدودة، وقد تكون الطريق طويلة، لكن الإرادة العلمية لا تزال حاضرة، والباحث لا يزال يحمل قلمه، والمزارع لا يزال يحمل بذوره، والأرض لا تزال تنتظر من يعيد إليها الحياة.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا اللقاء هو أن الأمل لا يُزرع بالكلمات وحدها، بل بالعلم والعمل، وحماية الأصول الوراثية، واستعادة دور مؤسسات البحث والإرشاد الزراعي، وإعادة بناء الجسور بين الباحث والمزارع والوزارة.
فحين تتصافح يد الباحث مع يد المزارع، وحين تستمع الوزارة إلى صوت العلم، وحين تتحول الاختلافات إلى اتفاق، فإن المستقبل يصبح أكثر خضرة.
البحث العلمي أملٌ يتجدد...
والبذرة التي نحفظها اليوم، قد تكون خبز الأجيال القادمة.
شكر وتقدير
في الختام، أتقدم بالشكر والتقدير لجميع الحاضرين، كلٌّ باسمه وصفته، على حضورهم ومشاركتهم الفاعلة في هذا اللقاء العلمي.
وشكرًا جزيلًا للدكتور محمد سالم الخاشعة، نائب رئيس هيئة البحوث والإرشاد الزراعي، على حسن التنظيم والترتيب لهذا اللقاء العلمي الكبير.
وشكر خاص للدكتور معين علي الجرموزي، ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، الذي أشرف على هذا اللقاء وأداره، والذي كان متميزًا وناجحًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
م. عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين
1 أكتوبر 2026م