آخر تحديث :الأربعاء-30 سبتمبر 2026-11:21م
أخبار محلية


حين اجتمعت قلوب البحث العلمي… غاب من كان ينبغي أن يكون بينهم

حين اجتمعت قلوب البحث العلمي… غاب من كان ينبغي أن يكون بينهم
الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - 10:46 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

بعد انقطاعٍ دام أكثر من خمسة عشر عامًا، كان اليوم موعدًا مختلفًا في محطة أبحاث الكود بمحافظة أبين؛ موعدًا أعاد للبحث العلمي الزراعي شيئًا من روحه، وجمع على طاولة واحدة قيادات وممثلي مؤسسات البحث العلمي والزراعي من سيئون والمكلا وتعز ومأرب، إلى جانب كلية ناصر للعلوم الزراعية، وتقانات ما بعد الحصاد، ومؤسسة إكثار البذور، ومركز السلالات والإنتاج الحيواني.

كان لقاءً يشبه عودة الروح إلى بيتٍ قديم، طال به الغياب، لكنه لم يفقد دفء أهله.

لقاءٌ مميز بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ تبادل فيه الحاضرون الهموم والتحديات، وتحدثوا بصراحة عن المعوقات التي أثقلت مسيرة البحث العلمي، وأعاقت كثيرًا من طموحاته، وتبادلوا كلمات الوفاء للأرض والمزارع وللزراعة في وطنٍ أنهكته سنوات الحرب، لكنه ما زال يمتلك أرضًا خصبة، وعقولًا قادرة، وباحثين يؤمنون بأن الزراعة ليست مجرد مهنة، بل قضية حياة وأمن وغد.

وكان من أجمل ما في اللقاء أن الجميع لم يأتِ ليحتفي بالماضي فقط، بل جاء ليفكر في المستقبل، من خلال مناقشة خطة البحوث الزراعية في اليمن للأعوام 2026–2030، بما يمكن أن تفتحه من آفاق جديدة أمام البحث والإنتاج والإرشاد الزراعي.

وهنا… اسمحوا لي أن أقول كلمة عتاب، لا تحمل خصومة، ولا تبحث عن لوم، وإنما تخرج من قلبٍ يحب هذه المؤسسات، ويتمنى لها أن تستعيد مكانتها.

لقد كان اللقاء كبيرًا… لكن شيئًا مهمًا كان ينقصه.

كان ينقصه حضور قيادة وزارة الزراعة والري والثروة السمكية.

ولا ندري حتى الآن ما السبب الذي حال دون حضور معالي الوزير وفريق الوزارة، خصوصًا أن هذه المناسبة لم تكن لقاءً عابرًا، بل مناسبة مؤجلة من 15 سبتمبر إلى 30 سبتمبر، حتى تتاح الفرصة للجميع للحضور والمشاركة.

ولهذا كان الأمل أن يكون معالي الوزير بين الباحثين، ومعه وكلاء الوزارة ومديرو العموم، وأن تجلس قيادة الوزارة إلى جانب العلماء والباحثين، تستمع إلى وجعهم، وتسمع طموحاتهم، وتشاركهم رسم الطريق القادم.

فالوزارة والبحث العلمي جناحان لطائرٍ واحد… فكيف يحلّق أحدهما بعيدًا عن الآخر؟

كان حضور الوزير سيمنح اللقاء معنى إضافيًا، وسيقول للباحثين إن جهودهم ما زالت موضع اهتمام، وإن أصواتهم مسموعة، وإن البحث العلمي ليس ملفًا هامشيًا يمكن أن يغيب عنه صانع القرار.

وليس عتابنا هنا على شخصٍ بعينه، بقدر ما هو عتابٌ على الغياب نفسه.

ففي مناسبات كهذه، لا يكفي أن تصل الكلمات عبر المراسلات، ولا أن تُرسل الاعتذارات، مهما كانت أسبابها؛ لأن بعض اللقاءات لا تُقاس بأجندتها فقط، وإنما تُقاس بمن حضر فيها، وبالرسالة التي يتركها الحضور في نفوس الآخرين.

كان ينبغي أن تكونوا بيننا… ولو للحظات.

كان ينبغي أن تأتي قيادة الوزارة إلى محطة أبحاث الكود، إلى المكان الذي شهد بدايات البحث الزراعي في بلادنا، وتجلس بين الباحثين، وتصافح الأيدي التي أمضت سنواتها في الحقول والمختبرات، وتقول لهم ببساطة: نحن معكم… ونريد أن نبدأ من جديد.

ولو كان الطريق متعبًا، ولو كانت الظروف صعبة، ولو جاء الوزير متوكئًا على عصاه، لكان حضوره أجمل من ألف كلمة، وأبلغ من ألف خطاب.

لأن بعض المناسبات لا تحتاج إلى مبررات كثيرة، بل تحتاج إلى حضور القلب قبل حضور الجسد.

ومع ذلك، يبقى الأمل أكبر من العتاب.

فما حدث اليوم يستحق أن يكون بداية حقيقية لعودة التواصل بين مؤسسات البحث العلمي وقيادة الوزارة، وأن يكون هذا اللقاء فاتحة لمرحلة جديدة، لا يعود فيها الباحث معزولًا عن صانع القرار، ولا تبقى نتائج البحوث حبيسة الأدراج، بل تنتقل إلى الحقل، وإلى يد المزارع، وإلى واقع الزراعة اليمنية.

تحية من القلب لكل من حضر، ولكل باحثٍ حمل همّ الزراعة، ولكل مؤسسة حافظت على شعلة البحث العلمي رغم كل الظروف.

وتحية خاصة لمحطة أبحاث الكود… هذا المكان الذي ما زال يحتفظ بذاكرة الأرض والباحثين، وكأنه يقول لنا: قد تتعثر الزراعة، وقد تنقطع اللقاءات، وقد تطول سنوات الغياب… لكن الأرض لا تنسى أبناءها، والعلم لا يموت ما دام هناك من يؤمن به.

ولعل لقاء اليوم يكون بداية عهدٍ جديد…

عهدٍ لا يغيب فيه الباحث عن الوزارة، ولا تغيب فيه الوزارة عن الباحث، ولا يبقى المزارع آخر من تصل إليه ثمار العلم.

فالزراعة اليمنية تستحق أن نجتمع من أجلها، والبحث العلمي يستحق أن نسمعه، والمزارع يستحق أن يرى أثره في حقله.

عبدالقادر خضر السميطي

دلتا أبين

30 سبتمبر 2026م