آخر تحديث :الأربعاء-02 سبتمبر 2026-07:09م
وثائقيات

طبيبٌ في زمن السلم... جنديٌّ في زمن الحرب
سيرة الشهيد الدكتور/ محمد عقيل سعيد سالم السعيدي :من جبال حطاط الشامخة إلى ميادين الطب والقتال والشهادة.. حين يجتمع الطب والشجاعة في رجلٍ واحد

سيرة الشهيد الدكتور/ محمد عقيل سعيد سالم السعيدي
:من جبال حطاط الشامخة إلى ميادين الطب والقتال والشهادة..
حين يجتمع الطب والشجاعة في رجلٍ واحد
الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - 05:50 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

هناك رجال تختصر حياتهم معنى العطاء، لأنهم لا يكتفون بأداء واجب واحد، بل يحملون أكثر من رسالة، ويقدمون أنفسهم في أكثر من ميدان.

ومن بين هؤلاء يأتي الشهيد الدكتور/ محمد عقيل سعيد سالم السعيدي، الذي جمع في مسيرته بين مهنتين تبدوان مختلفتين في ظاهر الأمر، لكنهما تلتقيان في غاية واحدة، إنقاذ الإنسان وخدمة الوطن.

ففي زمن السلم كان طبيباً وممرضاً يسعى إلى تخفيف آلام المرضى وعلاجهم، وفي زمن الحرب كان جندياً يحمل سلاحه إلى جانب أدواته الطبية، يعالج الجرحى ويشارك في الدفاع عن الأرض.

ومن جبال حطاط الشامخة، حيث نشأ على قيم الشجاعة والعزة والكرامة، امتدت رحلته التي استمرت سبعةً وخمسين عاماً، حتى انتهت في ميادين القتال بمدينة زنجبار بمحافظة أبين، شهيداً وهو يؤدي الدور الذي عاش من أجله، خدمة الناس والدفاع عن وطنه.


حطاط... موطن الميلاد وبداية الحكاية


ينتمي الشهيد إلى قبيلة يافعية كلدية عريقة، عُرفت بتاريخها النضالي وتضحيات أبنائها، وقدمت عدداً كبيراً من الشهداء منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

وأعتقد جازمًا أن هذه القبيلة هي أكثر قبيلة في مديرية سرار - مكتب كَلَد - قدمت شهداء.


وفي هذه البيئة التي ارتبطت في وجدان أبنائها بمعاني الشجاعة والكرامة، ولد الشهيد محمد عقيل سعيد سالم السعيدي في منطقة حطاط، مديرية سرار، يافع، محافظة أبين، بتاريخ 1 يونيو 1958م.

نشأ في بيئة جبلية قاسية بطبيعتها، لكنها غنية بالقيم والمعاني، حيث يتعلم أبناؤها منذ الصغر الاعتماد على النفس وتحمل المشاق والثبات أمام الصعوبات.

وكانت جبال حطاط ومدرجاتها وشعابها بمثابة المدرسة الأولى التي صقلت شخصيته، وغرست فيه الصفات التي ستظهر لاحقاً في حياته المهنية والعسكرية، من شجاعة وإقدام وتحمل للمسؤولية.


من مقاعد الدراسة إلى رحاب العمل الصحي


بدأ الشهيد رحلته التعليمية في مدرسة الشهيد حسين زين حطاط، حيث تلقى تعليمه الأساسي.

ثم انتقل الى مدارس البدو الرحل في عاصمه محافظه ابين زنجبار في عام 1976م.

ومع طموحه ورغبته في مواصلة التعليم التحق بـ المعهد الصحي بمحافظة أبين، حيث تخصص في مجال التمريض، وتخرج من المعهد حاصلاً على دبلوم متوسط في التمريض عام 1979م.

وبعد تخرجه بدأ حياته العملية في المجال الصحي، متنقلاً بين عدد من المرافق الصحية، ومارس مهنته التي اختارها لخدمة الناس ومساعدتهم.

وكانت تلك السنوات الأولى من حياته المهنية بداية الطريق الذي سيجعله لاحقاً يجمع بين الطب والعمل العسكري، ليصبح واحداً من أولئك الذين لم تكن مهنتهم مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية.

حين استدعت الحرب الطبيب إلى الميدان.


في عام 1979م اندلعت مواجهات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية.

وفي مثل هذه الظروف، يتحول العسكري إلى الميدان حاملاً سلاحه، بينما يتجه الطبيب أو الممرض إلى مواقع الجرحى حاملاً أدواته الطبية.

لكن الشهيد/ محمد عقيل جمع الأمرين معاً.

فلم يحمل أدواته الصحية فقط لمعالجة الجرحى، بل حمل أيضاً بندقيته التي تمرن عليها في جبال حطاط الشامخة، واتجه إلى جبهة الحد يافع، وتحديداً منطقة العر في يافع بمحافظة لحج.

هناك وقف إلى جانب المقاتلين، يؤدي واجبه الصحي والإنساني، وفي الوقت ذاته كان مستعداً للمشاركة في الدفاع عن الأرض.


وهكذا بدأت تتضح ملامح الشخصية التي سترافقه طوال حياته، طبيب في زمن السلم، وجندي في زمن الحرب.


العودة إلى مهنة الطب ومواصلة طريق العلم


بعد انتهاء الحرب، عاد الشهيد إلى ممارسة عمله الصحي، لكنه لم يعتبر حصوله على الدبلوم المتوسط نهاية لطموحه العلمي.

فقد كان يدرك أن خدمة الإنسان تحتاج إلى علم متجدد، وأن الطموح الحقيقي لا يتوقف عند مرحلة معينة.

ولهذا واصل دراسته، فالتحق عام 1983م بـ معهد أمين ناشر للعلوم الصحية في خور مكسر بالعاصمة الجنوبية عدن.

وبعد عامين من الدراسة، تخرج عام 1985م حاصلاً على دبلوم عالٍ في المجال الصحي (مساعد طبيب).

وكان حصوله على هذا المؤهل خطوة جديدة في مسيرته، فقد عاد إلى الميدان الصحي بخبرة علمية أكبر وقدرة أوسع على أداء رسالته المهنية.


طبيباً بين سرار ورصد ولحج وأبين


بعد تخرجه من معهد أمين ناشر للعلوم الصحية، عاد الشهيد إلى العمل في المجال الصحي.

وتنقل بين عدد من المرافق الصحية في مناطق ومديريات مختلفة، فعمل في سرار ورصد وبعض مديريات محافظة لحج، كما عمل في المرافق الصحية في جعار وزنجبار بمحافظة أبين.

وهكذا ظل قريباً من الناس، يشاركهم آلامهم ويقدم لهم ما يستطيع من خدمة ورعاية.

ولم تكن مهنته بالنسبة إليه مجرد مصدر للعيش، بل كانت رسالة إنسانية حملها معه سنوات طويلة، حتى أصبح معروفاً بين من عمل معهم وعالجهم باعتباره رجلاً جمع بين المعرفة الطبية والشجاعة والإقدام.

واستمر في أداء عمله الصحي حتى عام 1994م.


حرب 1994م... الطبيب يعود إلى الجبهة


في عام 1994م اندلعت الحرب من جديد بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية.

وكما فعل في حرب عام 1979م، لم يتردد الشهيد في العودة إلى الميدان.

حمل سلاحه الشخصي إلى جانب أدواته الطبية، واتجه إلى جبهة جعار بمحافظة أبين.

هناك عاد الطبيب إلى دوره المزدوج؛ يعالج الجرحى ويقدم المساعدة الطبية للمصابين، وفي الوقت نفسه يشارك في القتال والدفاع إلى جانب رفاقه.

وكان هذا الموقف امتداداً طبيعياً لشخصيته التي لم تعرف الفصل بين الواجب المهني والواجب الوطني.

فحين كان الناس بحاجة إلى طبيب، كان طبيباً.

وحين احتاج الميدان إلى مقاتل، كان جندياً.

وحين احتاج الجرحى إلى من يمد لهم يد العون، كان في مقدمة من يقومون بواجبهم.


بعد الحرب... طبيب يحمل وجع الوطن


انتهت حرب عام 1994م، وعاد الشهيد مرة أخرى إلى مهنته الصحية، يعالج المرضى ويواصل خدمة الناس.

لكن انتهاء المعارك لم يكن يعني انتهاء الألم بالنسبة إليه.

فقد كان يحمل في داخله حزناً على ما آلت إليه أوضاع الجنوب بعد الحرب، وظل يتابع الأحداث والتطورات من حوله، ويشعر بالألم تجاه ما اعتبره تراجعاً عن قضايا وطنه وحقوق أبناء الجنوب.

ورغم عودته إلى حياته المهنية، ظل الجانب الوطني والنضالي حاضراً في شخصيته.

فالرجل الذي حمل السلاح في الجبهات لم يكن قادراً على أن يتخلى عن اهتمامه بالشأن العام، وظل يحمل هموم وطنه في قلبه.


الحراك السلمي... عودة الطبيب إلى ساحات النضال


مع انطلاق الحراك السلمي الجنوبي عام 2007م، كان الشهيد من أوائل المبادرين إلى الانضمام إليه والمشاركة في فعالياته.

وانخرط في المظاهرات والمسيرات التي كانت تنادي بالمطالب التي رفعها الحراك، ومنها المطالبة بفك الارتباط بين الدولتين.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح حضوره في الفعاليات جزءاً من حياته اليومية، فانتقل من ساحات الخدمة الصحية إلى ساحات العمل السلمي، حاملاً معه خبرة الطبيب، وشخصية الجندي، وإرادة الرجل الذي اعتاد أن يكون حاضراً عندما يحتاجه الناس.


المحطة الأخيرة... الطبيب الذي عاد إلى الميدان


جاءت المحطة الأخيرة في حياة الشهيد/محمد عقيل سعيد سالم السعيدي مع اندلاع الحرب التي شهدها الجنوب عام 2015م.

وعندما بدأت المواجهات ، لبى الشهيد النداء منذ الأيام الأولى، وانضم إلى المقاومة الجنوبية في محافظة أبين، وكان من المشاركين في تأسيسها.

وعاد مرة أخرى إلى الميدان الذي عرفه في مراحل سابقة من حياته.


لم يتخلَّ الشهيد عن مهنته الطبية، ولم يتخلَّ كذلك عن دوره في القتال، فقد ظل يحمل روح الطبيب الذي يسعى لإنقاذ الجرحى، وروح المقاتل الذي يرى نفسه مسؤولاً عن الدفاع عن أرضه.

وشارك في المواجهات ضد القوات الحوثية المدعومه من الفرس، كما شارك في الهجوم على اللواء التابع للحوثيين الذي كان متمركزاً في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين.


24 أبريل 2015م... يوم ارتقاء الشهيد


وفي صبيحة يوم الجمعة الموافق 24 أبريل 2015م، كانت زنجبار تشهد واحدة من صفحات المواجهة التي شارك فيها الشهيد.

وفي ذلك اليوم، ارتقت روح الدكتور/ محمد عقيل سعيد سالم السعيدي إلى بارئها، شهيداً في الميدان الذي اختار أن يكون فيه إلى جانب أبناء وطنه.


وهكذا انتهت رحلة امتدت سبعةً وخمسين عاماً، بدأت من جبال حطاط، مروراً بالمدرسة والمعهد الصحي، والمرافق الطبية، والجبهات العسكرية، والحروب، ثم ساحات الحراك والعمل العام، لتنتهي في ميدان القتال بمدينة زنجبار.


في الختام....

طبيبٌ في السلم..

وجنديٌّ في الحرب


عندما نستعيد سيرة الشهيد الدكتور/ محمد عقيل سعيد سالم السعيدي، فإننا لا نستعيد سيرة طبيب فحسب، ولا سيرة جندي فقط، بل نستعيد قصة رجل جمع بين رسالتين ظلتا متلازمتين طوال حياته.

ففي المستشفى كان يحمل أدواته الطبية، يسعى إلى تخفيف الألم وإنقاذ المرضى.

وفي الجبهة كان يحمل سلاحه، ويقف إلى جانب رفاقه في مواجهة الخطر.

وحين كانت الحرب تنتهي، كان يعود إلى مهنته الطبية، وحين كانت البلاد تدخل مرحلة جديدة من الصراع، كان يعود إلى الميدان.

لقد عاش حياته بين الطب والميدان، وبين المهنة والوطن، وبين خدمة الإنسان والدفاع عن الأرض.

ومن جبال حطاط التي شهدت طفولته، إلى زنجبار التي شهدت خاتمة حياته، ظل الشهيد وفياً للطريق الذي اختاره لنفسه منذ شبابه، طريق العطاء وخدمة الناس، والوقوف إلى جانب أبناء وطنه.

وفي يوم 24 أبريل 2015م، أُغلقت صفحة حياته، لكنها لم تُغلق صفحة سيرته.

فالأجساد ترحل، لكن المواقف تبقى، والذكريات التي يتركها أصحابها في حياة الناس لا تنتهي بانتهاء أعمارهم.


رحم الله الشهيد الدكتور/ محمد عقيل سعيد سالم السعيدي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن سنوات عطائه وخدمته خير الجزاء، وجعل ذكراه باقية في ذاكرة أسرته وأبناء منطقته ورفاقه وكل من عرفه.


رحم الله الشهيد، وجعل سيرته شاهدة على رجلٍ جمع بين مهنة الطبيب وشجاعة الجندي، ومضى من ميادين الحياة إلى الخلود.


من كتاب (الخالدين)

للمؤلف/ الأستاذ عبدالوهاب العمري