آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-10:28م
وثائقيات


من محراب العلم إلى دروب التضحية سيرة الشهيد التربوي الخضر ناصر سعيد عاطف السعيدي ثلاثون عاماً في صناعة الأجيال... ورحلةٌ انتهت في ساحات الحراك السلمي

من محراب العلم إلى دروب التضحية
سيرة الشهيد التربوي الخضر ناصر سعيد عاطف السعيدي
ثلاثون عاماً في صناعة الأجيال... ورحلةٌ انتهت في ساحات الحراك السلمي
السبت - 22 أغسطس 2026 - 08:24 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

تمهيد: حين يصبح التعليم رسالةً والحياة موقفاً

هناك رجالٌ لا تُختصر سيرتهم في وظيفةٍ شغلوها أو سنواتٍ عاشوها، لأن أثرهم يتجاوز حدود أعمارهم، ويبقى حاضراً في حياة الناس الذين عرفوهم وتعاملوا معهم.

ومن هؤلاء الشهيد/ الخضر ناصر سعيد عاطف السعيدي، الذي بدأت حكايته من قرية جبلية هي امها حطاط في مديرية سرار بمحافظة أبين، ثم انتقل إلى مقاعد الدراسة، ومنها إلى ميدان التربية والتعليم، ليصبح معلماً ومديراً تربوياً أمضى قرابة ثلاثة عقود في خدمة الطلاب والمدارس وأبناء مجتمعه.

لم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرد مهنة يؤديها في ساعات الدوام، بل كان رسالة آمن بها، وكرّس لها سنوات طويلة من عمره. فساهم في تطوير العملية التعليمية، وشارك في تأسيس مدارس ومؤسسات تربوية كان لها أثر في أبناء المناطق الريفية .

وحين انتقل إلى العمل العام والمشاركة في الحراك السلمي الجنوبي، ظل يحمل معه الصفات نفسها التي عرف بها في حياته التربوية: الالتزام، والإصرار، والحضور، والتمسك بما يؤمن به.

وهكذا امتدت حياته بين مقاعد الدراسة، ومحراب التربية والتعليم، وخدمة المجتمع، ثم ساحات الحراك السلمي، حتى كانت نهايته في مدينة زنجبار عام 2009م.


أولاً: الميلاد والنشأة

من أمها حطاط... حيث شموخ الجبال وأصالة الرجال

ولد الشهيد/ الخضر ناصر سعيد عاطف السعيدي في 8 أبريل 1959م بمنطقة أمها حطاط، مديرية سرار، محافظة أبين.

نشأ في منطقة جبلية عُرفت بوعورة تضاريسها وشموخ جبالها، وفي مجتمع ارتبطت فيه حياة الناس بالأرض والعمل والتعاون والترابط الاجتماعي.

وقد خرجت هذه المناطق أجيالاً عُرفت بالصبر والتحمل والشجاعة، وكانت الأسرة والقبيلة والمجتمع المحلي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان قيم المسؤولية والكرامة والوفاء.

وينتمي الشهيد إلى قبيلة السعيدي، التي قدمت العديد من أبنائها في مراحل النضال والصراعات منذ سبعينيات القرن الماضي وما بعدها.

وفي هذه البيئة الأصيلة، بدأت شخصية الخضر ناصر تتشكل؛ فكان منذ صغره محباً للتعلم، طموحاً في بناء مستقبله، ومؤمناً بأهمية العلم في حياة الإنسان والمجتمع.


ثانياً: رحلة العلم

طالبٌ مجتهد يشق طريقه رغم صعوبة الظروف

بدأ الشهيد الخضر ناصر سعيد السعيدي تعليمه الأساسي في مدرسة الركب بحطاط.

ثم انتقل إلى مدرسة البدو الرحل في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، لمواصلة تعليمه.

ولم يكن الانتقال من المناطق الجبلية إلى المدن أمراً يسيراً في ذلك الزمن، إلا أن طموحه ورغبته في مواصلة التعليم دفعاه إلى تجاوز الصعوبات.

وكان خلال دراسته طالباً مجتهداً ومتفوقاً، وقد ظهرت لديه منذ تلك المرحلة الرغبة في مواصلة التحصيل العلمي والوصول إلى مرحلة يستطيع من خلالها أن يخدم مجتمعه.

وبعد إكمال دراسته، انتقل إلى دار المعلمين بمحافظة أبين، حيث تلقى التأهيل التربوي الذي سيصبح أساس حياته المهنية.

وقد تخرج من دار المعلمين حاصلاً على دبلوم بدرجة امتياز، وكان من الطلاب المتفوقين دراسياً، ليبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من حياته، هي مرحلة العمل التربوي.


ثالثاً: بداية المسيرة المهنية

عام 1977م... بداية رحلة المعلم

بعد تخرجه من دار المعلمين عام 1977م، بدأ الشهيد حياته العملية معلماً في مديرية رصد.

وهناك بدأ ممارسة المهنة التي اختارها، وتحوّل من طالب متفوق إلى معلم يحمل مسؤولية تعليم أبناء الجيل الجديد.

وقد أمضى عدة سنوات في خدمة التربية والتعليم بمديرية رصد، ثم انتقل إلى مديرية سرار، وتحديداً إلى مدرسة الركب.

وبعد فترة من العمل فيها، تم تعيينه مديراً للمدرسة، ليبدأ مرحلة جديدة من المسؤولية الإدارية والتربوية.


رابعاً: الخضر ناصر... المعلم الذي حمل التعليم رسالة

الإخلاص والانضباط والخبرة في خدمة الطلاب

عُرف الشهيد خلال مسيرته التربوية بالإخلاص والوفاء والتفاني في أداء عمله.

وكان يتمتع بالأخلاق الفاضلة والإرادة والعزيمة والخبرة الإدارية، وهي صفات جعلته شخصية تربوية لها حضورها بين زملائه وطلابه وأبناء المجتمع.

ولم يكن اهتمامه مقتصراً على أداء واجباته اليومية، بل كان يحمل همّ تطوير التعليم وتوفير فرص الدراسة لأبناء المناطق التي كانت تعاني من بُعد المدارس وصعوبة الوصول إليها.

وكان يؤمن بأن الطالب الذي يعيش في قرية جبلية نائية يستحق فرصة التعليم نفسها التي يحصل عليها الطالب في المدينة، وأن المسافة الجغرافية لا ينبغي أن تكون سبباً في حرمان الإنسان من مواصلة دراسته.

ومن هذا الإيمان انطلقت مساهماته في عدد من المشاريع التعليمية المهمة في المنطقة.


خامساً: ثانوية الشهيد بالليل علوي طاهر

مشروعٌ فتح أبواب التعليم الثانوي أمام أبناء المناطق المحيطة

من أبرز المحطات في مسيرة الشهيد التربوية مساهمته في تأسيس ثانوية الشهيد بالليل علوي طاهر في منطقة الركب.

وقد مثّل افتتاح هذه الثانوية خطوة مهمة في تاريخ التعليم بالمنطقة، إذ أتاحت لأبناء المناطق المحيطة فرصة مواصلة تعليمهم الثانوي بالقرب من مناطقهم.

واستفاد من المدرسة طلاب مناطق متعددة، منها:

أمسدارة، وكلسام، وحبر، وأمها حطاط، وأمها حمة، وغيرها من المناطق المجاورة.

وقبل إنشاء الثانوية، كان الطلاب يضطرون إلى تحمل مشقة السفر لمسافات طويلة من أجل مواصلة تعليمهم الثانوي، وكان بعضهم يتوجه إلى مركز المديرية والبعض الآخر في أماكن أخرى بعيدة.

وكانت هذه المسافات تمثل عبئاً كبيراً على الطلاب وأسرهم، خصوصاً في ظل صعوبة المواصلات والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك.

ومن هنا اكتسب مشروع الثانوية أهمية كبيرة، لأنه لم يكن مجرد إنشاء مدرسة جديدة، وإنما كان فتحاً لباب التعليم أمام جيل كامل من أبناء المناطق المذكوره.

وكان الشهيد من المساهمين في هذا الجهد، إيماناً منه بأن بناء المدرسة هو في الحقيقة بناء للإنسان والمستقبل

.

سادساً: مدرسة أمها حطاط

حين يصبح الوصول إلى المدرسة رحلةً شاقة

امتد اهتمام الشهيد إلى منطقة أمها حطاط، حيث شارك وخطط لتأسيس مدرسة تخدم أبناء المنطقة.

وكان طلاب أمها حطاط قبل إنشاء المدرسة يواجهون مشقة كبيرة في الوصول إلى مدرسة الركب، حيث كان بعضهم يقطع مسافة تستغرق نحو ساعتين سيراً على الأقدام في الذهاب، وساعتين في العودة.

وكان ذلك يعني أن الطالب يقضي ساعات طويلة من يومه في الطريق، قبل أن يصل إلى مقعد الدراسة.

وقد أدرك الشهيد أن استمرار هذه الظروف قد يحرم كثيراً من أبناء المنطقة من التعليم، ولذلك كان إنشاء مدرسة قريبة من السكان ضرورة تربوية واجتماعية.

ومن هنا جاءت مساهمته في التخطيط لتأسيس مدرسة أمها حطاط، لتكون أقرب إلى الطلاب، وأكثر قدرة على استيعاب أبناء المنطقة.

وهذا الجانب من حياته يكشف بوضوح أن اهتمامه بالتعليم لم يكن نظرياً، بل كان مرتبطاً بمشكلات الطلاب اليومية ومعاناتهم الحقيقية.


سابعاً: ثلاثون عاماً في ميدان التربية

أجيالٌ تعلمت على يديه

امتدت خدمة الشهيد في مجال التربية والتعليم قرابة ثلاثين عاماً.

وخلال هذه السنوات، عمل معلماً ومديراً ومشاركاً في مشاريع تعليمية، وكان قريباً من الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.

وعندما نتحدث عن ثلاثة عقود في مهنة التعليم، فإننا لا نتحدث عن عدد السنوات فحسب، بل عن أجيال متعاقبة من الطلاب الذين مروا على المدارس التي عمل فيها، وتعلموا على أيدي معلميها، وكان الشهيد واحداً من الشخصيات التي ساهمت في بناء البيئة التعليمية التي احتضنتهم.

ولهذا فإن أثر المعلم لا ينتهي برحيله، فالطالب الذي تعلم على يديه يحمل شيئاً من رسالته، والجيل الذي تخرج من المدرسة يحمل في ذاكرته وجوه معلميه الذين ساهموا في تشكيل مستقبله.


ثامناً: من المدرسة إلى قضايا المجتمع

المعلم الذي لم يكن بعيداً عن هموم وطنه

لم تقتصر شخصية الشهيد على الجانب التربوي، فقد كان حاضراً في الحياة العامة ومتابعاً للقضايا التي تشغل أبناء مجتمعه.

ومع انطلاق الحراك السلمي الجنوبي عام 2007م، كان من أوائل المشاركين في الفعاليات والمسيرات السلمية.

وأصبح حضوره في تلك الفعاليات امتداداً لشخصيته الاجتماعية، فكما كان يرى أن للمعلم دوراً في خدمة طلابه، كان يرى كذلك أن للمواطن دوراً في التعبير عن مطالبه وقضايا مجتمعه بالوسائل التي يؤمن بها.

وكان من المشاركين في المسيرات والفعاليات التي شهدتها عدد من مناطق الجنوب، حاملاً معه تجربته الطويلة في العمل التربوي والاجتماعي.


تاسعاً: يوم الأرض والاعتقال

7 يوليو 2009م... محطةٌ قاسية في مسيرته

في 7 يوليو 2009م، شارك الشهيد في مظاهرة سلمية بمناسبة يوم الأرض.

وخلال تلك الفعالية، تم اعتقاله مع عدد من زملائه ورفاقه المشاركين، ونُقل إلى السجن في العاصمة الجنوبيه عدن.

وكانت تجربة الاعتقال مرحلة قاسية في حياته، لكنها لم تُنهِ نشاطه أو تدفعه إلى الابتعاد عن المشاركة في الفعاليات التي كان يؤمن بها.

وبعد خروجه من السجن، عاد إلى حياته ونشاطه، واستمر في المشاركة في الفعاليات السلمية.

وهنا تظهر إحدى السمات التي رافقته طوال حياته: الإصرار على مواصلة الطريق الذي اختاره، رغم الصعوبات التي واجهها.


عاشراً: العودة إلى ساحات الحراك

لم يكن السجن نهاية الطريق

بعد خروجه من السجن، لم يبتعد الشهيد عن النشاط السلمي، بل واصل حضوره ومشاركته.

وفي 23 سبتمبر 2009م، شارك في مظاهرة سلمية في مدينة زنجبار بمحافظة أبين.

وخلال تلك الفعالية وقعت أحداث دامية، وأُطلقت النار على المتظاهرين، مما أدى إلى استشهاد الخضر ناصر سعيد السعيدي مع عدد من المشاركين.

وهكذا كانت مدينة زنجبار آخر محطة في رحلة رجل بدأت من جبال أمها حطاط، ومرت بمدارس الركب وزنجبار ورصد وسرار، ثم انتهت في ميدان العمل العام.


الحادي عشر: يوم الرحيل

23 سبتمبر 2009م... حين صمت صوت المعلم

في ذلك اليوم، فقدت مديرية سرار واحداً من كوادرها التربوية الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة التعليم.

رحل الخضر ناصر، لكن رحيله لم يلغِ ثلاثين عاماً من العمل والعطاء.

فقد ترك وراءه طلاباً تخرجوا من المدارس التي عمل فيها، وترك زملاء عرفوا إخلاصه، ومجتمعاً شهد حضوره، ومدارس ساهم في تأسيسها أو تطويرها.

وكانت خسارته أكبر من فقدان موظف أو مدير مدرسة، فقد كانت خسارة مربٍّ أمضى جانباً كبيراً من حياته في بناء الإنسان.


الثاني عشر: إرثٌ لا ينتهي

ما يبقى من المعلم بعد الرحيل

قد يرحل الإنسان عن الدنيا، لكن أثره قد يبقى في الأماكن التي خدم فيها وفي نفوس الأشخاص الذين تعامل معهم.

وهذا ما يجعل سيرة الشهيد الخضر ناصر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتربية والتعليم.

فهو لم يكتفِ بتعليم الطلاب داخل الفصل الدراسي، بل شارك في الجهود الرامية إلى توسيع نطاق التعليم، وساهم في مشاريع هدفت إلى تقريب المدارس من الطلاب وتخفيف المشقة عنهم.

ومن هنا يمكن النظر إلى حياته باعتبارها رحلة بدأت بالتعلم، ثم تحولت إلى تعليم الآخرين، ثم اتسعت إلى خدمة المجتمع والمشاركة في الحياة العامة.


الخاتمة

رحل المعلّم... وبقيت الأجيال شاهدةً على عطائه

من أمها حطاط بدأت حكاية الشهيد التربوي الخضر ناصر سعيد عاطف السعيدي.

ولد في بيئة جبلية عرفت بالصبر والشجاعة، ثم حمل طموحه إلى مدارس الركب وزنجبار، وواصل تعليمه حتى تخرج من دار المعلمين بتقدير امتياز.

وفي عام 1977م بدأ رحلته المهنية معلماً، ثم عمل في مديرية رصد، وعاد إلى سرار، وعمل في مدرسة الركب، وتولى إدارتها.

وعلى مدى نحو ثلاثين عاماً، ظل وفياً لمهنته، وساهم في دعم العملية التعليمية، وشارك في تأسيس ثانوية الشهيد بالليل علوي طاهر، كما ساهم في التخطيط لتأسيس مدرسة أمها حطاط، حتى أصبح جزءاً من ذاكرة التعليم في المنطقة.

ثم انتقل إلى ميدان النشاط العام، وكان من المشاركين في الحراك السلمي منذ عام 2007م، وتعرض للاعتقال في فعالية يوم الأرض في 7 يوليو 2009م.

وبعد خروجه من السجن، عاد إلى المشاركة في الفعاليات، حتى كان يوم 23 سبتمبر 2009م موعداً لنهاية رحلته، عندما استشهد خلال مظاهرة سلمية في مدينة زنجبار.

لقد رحل الخضر ناصر، لكن رسالته لم ترحل.

رحل المعلم، وبقي طلابه.

رحل المدير، وبقيت المدارس التي خدمها.

رحل الرجل، وبقيت مواقفه وذكراه في ذاكرة أهله وطلابه وزملائه.

وهكذا تظل سيرته شاهدة على رجل جمع بين العلم والتربية وخدمة المجتمع والمشاركة في الحياة العامة، وأمضى نحو ثلاثين عاماً من عمره في ميدان التعليم، تاركاً وراءه أجيالاً تحمل شيئاً من أثره.

رحم الله الشهيد التربوي الخضر ناصر سعيد عاطف السعيدي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في ميدان التربية والتعليم وخدمة الأجيال في ميزان حسناته، وألهم أهله وطلابه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان.


من كتاب (الخالدين)

للمؤلف الأستاذ/ عبدالوهاب العمري