إلى قيادتنا الزراعية، بعناية معالي وزير الزراعة والري والثروة السمكية، والوكلاء والمستشارين ورؤساء القطاعات.
نقولها لكم بكل محبة وود، وبصوت أبناءٍ لا يريدون خصومةً مع أحد، وإنما يريدون لأرضهم أن تأخذ مكانها الذي تستحقه.
عتابنا اليوم ليس عتاب خصم، بل عتاب محب، وليس اعتراضًا على قيادتكم، بل رجاءٌ بأن تقتربوا أكثر من أبين.
ونرجوكم بكل صدق، لا تجعلوا أبين تُعامل وفق ما قيل عنها قديمًا، ولا تجعلوا من دعوة السيد الوحش أو غيره ميزانًا للحكم عليها.
فنحن منكم، وأنتم منا، وأبين ليست طرفًا بعيدًا عنكم حتى تُعامل بمنطق الاستثناء أو التجاهل.
أبين... وجعٌ لم ينتهِ بعد
أبين ظُلمت كثيرًا، ونشعر، بكل أسف، أن شيئًا من ذلك الظلم لا يزال قائمًا.
لا نريد امتيازًا خاصًا، ولا نطلب ما ليس لنا، ولا نبحث عن أبوابٍ خلفية للحصول على حقنا.
نريد فقط عدالةً في الاهتمام، وعدالةً في توزيع المشاريع، وعدالةً في الزيارات الرسمية، وعدالةً في الدورات، وعدالةً في الورش، وعدالةً في النظر إلى إمكانات هذه المحافظة الزراعية.
نريد أن نراكم في أبين، وليس في الشاشات والقاعات، بل بين الحقول والمزارعين والوديان.
تعالوا وانظروا بأنفسكم إلى واقع الزراعة، وإلى ما تعانيه الأرض، وإلى واقع محطة البحوث، وجهاز الإرشاد الزراعي، ووقاية النبات.
فبعض مشاكل أبين لا تظهر في التقارير، وبعض وجع المزارع لا يُكتب في المذكرات، وبعض احتياجات الأرض لا يمكن فهمها إلا حين تطأ أقدامنا ترابها ونسمع أهلها.
كلمةٌ من الماضي... لا ينبغي أن تحكم المستقبل
لقد قال السيد الوحش قديمًا عن أبين:
بلاد الحاس والحسحاس
والكيد والنكد والظلم الشديد
لا حيّها سالي ولا ميتها شهيد... إلخ.
لكننا اليوم نقول:
تلك كانت كلمةً من زمن، وأبين اليوم قصةٌ أخرى.
فلا ينبغي أن تبقى أرضٌ كاملة أسيرة صورةٍ رسمها عنها الآخرون.
أبين ليست بلد الحاس والحسحاس...
أبين بلد الخير حين تُمنح فرصة.
أرضٌ تنام على ذاكرة الخير.
أبين ليست أرضًا هامشية في الخارطة الزراعية، إنها واحدة من أهم خزائن الغذاء.
في سهولها ذاكرة القمح والسمسم والفول السوداني والذرة الرفيعة، وفي قطنها ذاكرة وطن، وفي نخيلها حكاية تمر، وفي وديانها تاريخ طويل من الزراعة والري.
وفي أرضها موزٌ يتدلى كعناقيد الفرح، ومانجا تفوح منها رائحة الصيف، وباباي يختبئ بين خضرة الحقول، وليمون يوقظ في الصباح رائحة الأرض بعد المطر.
أشجارٌ تعرف أبين، وتعرف كيف تمنحها ثمارًا تشبه دفء أهلها وكرم ترابها.
أبين ليست أرضًا للزراعة فحسب...
إنها بستانٌ كبير، كلما أُعطي فرصةً عاد إلى الحياة.
وما تزال أبين تملك من الأرض والماء والمناخ والخبرة ما يجعلها قادرةً على أن تكون مزرعةً للغذاء، ومصنعًا للدواء، وحقلًا للكساء، إذا وُضعت في المكان الذي تستحقه من الاهتمام.
لا نريد أكثر من حقنا
أبين لا ينقصها العطاء...
بل ينقصها أن يصل إليها العطاء بعدل.
لا نريد لأبين أن تُدلَّل، ولا أن تحصل على أكثر مما تستحق.
نريد فقط أن تحصل على ما تستحق.
امنحوها فرصةً عادلة.
وأعيدوا للبحث العلمي والإرشاد الزراعي مكانتهما، واقتربوا من المزارع واسمعوا صوته، وانظروا إلى أرضه بعين المستقبل.
فالأرض حين تجد من يؤمن بها، لا تخذله.
أبين لا تطلب صدقة...
أبين تطلب شراكة.
ولا بد أن تُعامل كأرضٍ لها حقها.
تعالوا إلى أبين... قبل أن يطول الانتظار
ونحن، حين نعاتبكم، فإننا لا نغلق الباب، بل نفتحه على مصراعيه.
نقول لكم...
تعالوا إلى أبين...
فهي ليست بعيدة عنكم، وبينكم وبينها مسافة لا تزيد على 60 كيلومترًا، تقطعونها في زمن لا يزيد على 45 دقيقة.
اقتربوا منها، وستجدون أن بينكم وبينها حكايةً قديمة من الخير لم تنتهِ بعد.
قصيدةٌ تنتظر بيتها الأخير
أبين قصيدةٌ لم تكتمل، وحقولٌ تنتظر المطر، ومزارعون ينتظرون من يسمعهم، وأرضٌ ما زالت قادرةً على أن تصنع الكثير لهذا الوطن.
فلا تجعلوا الماضي يحجب المستقبل.
انظروا إلى أبين بعين المعرفة، لا بعين الصورة القديمة.
وبعين الإنصاف، لا بعين الانطباع.
وبعين المحبة، لا بعين ما قيل عنها.
فنحن منكم...
وأنتم منا...
وأبين منا جميعًا.
لا تجعلوا عتاب المحب وجعًا صامتًا
فلا تجعلوا عتاب المحب يتحول إلى وجعٍ صامت، بل اجعلوه بدايةً لخطوةٍ جديدة نحو أبين.
ربما تأخر الفجر...
لكن الأرض التي تعرف كيف تُنبت الحياة من بين أصابعها، لا يمكن أن يطول عليها الليل.
أبين تستحق أن تُرى...
وتُسمع...
وتُنصف.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
10 أغسطس 2026م
.