كتب/د.عيدروس نصر
لم أستغرب ما ورد على لسان وزير الدفاع في الجمهورية اليمنية، طاهر العقيلي، في تغريدته على منصة (X)، والتي قال فيها إن قادة الوحدات العسكرية التابعة لوزارته رفضوا أوامره القاضية بتقديم كشوفات بأسماء منتسبي وحداتهم، ليتم تحويل مرتباتهم الشهرية لكل مستحق باسمه عبر البطاقة الذكية، بدلًا من النظام السابق القائم على تسليم المخصصات المالية لقادة تلك الوحدات ليصرفوها بطريقتهم الخاصة.
أقول: لم أستغرب ما ورد في هذه التغريدة، فالنظام المالي المتبع في الجمهورية العربية اليمنية سابقًا، ثم في الجمهورية اليمنية، يسير على هذا النحو، حيث يقوم كل قائد عسكري بما يشبه عمل المقاول، فيستلم المخصصات المالية لوحدته، ثم يوزع ما يشاء منها على منتسبي وحدته. وقد خلق ذلك بيئة صالحة لانتشار الفساد واستفحله كمتلازمة دائمة في المؤسسة العسكرية اليمنية، كما في بقية الأجهزة المدنية والأمنية والخدمية.
ومصادر هذا الفساد عديدة، لكن أبرزها:
وجود آلاف الأسماء الوهمية، تُصرف مستحقاتها كاملة للقائد العسكري الذي يعتبرها جزءًا من مستحقاته التي لا يمكن التنازل عنها. وكلنا يتذكر ما قاله وزير الدفاع السابق، المقدشي، بوجود 30% فقط من قوام الجيش في معسكراتهم.
وجود آلاف الأسماء في القوائم كقوة فعلية، لكن أصحابها لا يداومون ولا يحضرون إلى معسكراتهم، بل يتوزعون بين مغتربين أو ملاك لمزارع العنب والقات أو عاملين في التجارة، ويتقاسم هؤلاء مع قادة الوحدات المستحقات الشهرية التي تصل إلى مئات الملايين في الشهر الواحد.
يتمثل المصدر الثالث في أصحاب الوظائف المتكررة أو المتعددة أو المزدوجة، وهي ما سمي في وقت سابق بـ"الازدواج الوظيفي". وهؤلاء يتقاضون أكثر من مرتب من أكثر من وحدة عسكرية أو مؤسسة مدنية، ويتجاوز عددهم مئات الآلاف، ويستحوذون على عشرات الملايين، وربما أكثر، شهريًا.
ولن نتحدث عن المليارات التي يتم الاستحواذ عليها سنويًا من خلال مخصصات الإعاشة والتموين والذخيرة والآليات والمركبات المشطوبة، التي تتخذ لجان الجرد قرارًا بإتلافها، ثم تُباع بالمليارات، ويستحوذ قادة الوحدات على عائداتها ويوزعونها فيما بينهم وبين القيادات الأعلى.
ولهذا لا تستغرب أن القائد الصغير أو المتوسط، ما إن يتسلم منصبه حتى يستحوذ على شارع كامل في العاصمة أو في مدينته ليبني عليه "سرايته". وقد يمتلك مثلها في أكثر من محافظة. بل إن الأوضاع "تحسنت" بعد الانقلاب الحوثي، فانتقلت استثمارات المسؤولين والقادة العسكريين العقارية إلى تركيا والقاهرة ودبي وغيرها من الدول المستقرة، ناهيك عن القادة العسكريين الذين يعملون في مجالات استثمارية متعددة.
إن الفساد المالي في القوات المسلحة لا يقتصر ضرره على نهب الأموال العامة وتكوين طبقة من الطفيليين الذين يحصدون المليارات دون بذل أي مجهود يُذكر، بل يمتد إلى تدمير الروح المعنوية وإفساد أخلاق المقاتلين المفترضين، وتنمية روح الأنانية والطمع والاحتيال والغش، وبالتالي إضعاف العقيدة القتالية، إن كانت هناك أصلًا عقيدة قتالية.
وبعد كل هذا، علينا ألا نتساءل لماذا تلاشى الجيش "الوطني" أثناء سقوط صنعاء على أيدي عشرات المقاتلين الحوثيين القادمين من مديريات صعدة، ثم ما لحق ببقايا الجيش من هزائم منكرة وتسليم محافظات بكاملها للجماعة الحوثية، كما جرى في عام 2019 في الجوف والبيضاء وأجزاء من مأرب ومديريات محافظة صنعاء الشرقية.
يقول وزير الدفاع إن قادة الوحدات الذين تواصل معهم هددوا بأنه إما أن تُسلَّم لهم الرواتب بالطريقة القديمة بعيدًا عن "البطاقة الذكية"، أو إنهم سيسلمون الجبهات للحوثيين. وهذا الأمر ليس مستبعدًا.
هل تتذكرون ذلك القائد العسكري "الشرعي" الذي كان يقود القوات الشرعية في مناطق العود ودمت ونواحيهما شرقي محافظة إب؟ حين أصدر الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي قرارًا باستبداله بقائد آخر، سلّم كامل منطقته للحوثيين، ولم يتوقف إلا في صنعاء.
ثم لماذا نذهب بعيدًا؟
لقد سلموا الجمهورية اليمنية بأكملها للحوثيين، فلماذا نستغرب أن يسلموا مديرية أو مديريتين في مأرب أو تعز، وهما من آخر المناطق الواقعة خارج سيطرة الجماعة الحوثية.
الهجوم الذي نفذه الحوثيون على أحد معسكرات قوات الطوارئ "الشرعية" في منطقة العبر بمحافظة حضرموت أسفر عن سقوط عشرات القتلى، والعدد مرشح للارتفاع. وكان منظر الدماء التي سالت في أرض المعسكر والجثث المتناثرة مؤلمًا ومروعًا، ولا يسع المرء إلا أن يشعر بالحسرة والشفقة على هؤلاء ويتعاطف مع ذويهم.
لكن المفارقة المبكية أن مخازن ومستودعات هذا المعسكر، وما إن استقر الوضع داخله، تعرضت لحملة نهب، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع فيديو عنها، كشفت أن ما يسمى بـ"الجيش الوطني" اليمني ليس جيشًا بالمعنى الحقيقي، ولا وطنيًا، وإنما مجاميع من البشر يُحشدون دون أدنى قدر من التأهيل أو خطة دفاعية أو مهارة قتالية يمكن الرهان عليها لإحداث تغيير في ميزان القوى، الذي لا تزال الجماعة الحوثية تحتفظ فيه بمعظم نقاط التفوق، في مقابل "شرعية" تقيم قيادتها خارج البلاد إلى أجل غير مسمى، وتعتقد أنها تتمتع بحكمة لقمان في إدارة السياسة، وصرامة نابليون في قيادة المواجهة العسكرية.
ولله في خلقه شؤون.