منصة الهدهد/حاوره مأرب الورد
في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، وتتصاعد التحديات المرتبطة بالبحر الأحمر ومستقبل اليمن بعد سنوات من الحرب، تبرز الصين باعتبارها أحد أبرز الفاعلين الدوليين الذين يعلنون دعمهم لمسار السلام وإعادة الإعمار.
وفي هذا الحوار الخاص مع منصة "الهدهد"، يتحدث القائم بأعمال سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى اليمن *شاو تشنغ*، عن رؤية بكين لمستقبل العلاقات اليمنية الصينية، وموقفها من تطورات الأزمة اليمنية، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، وفرص الاستثمار وإعادة الإعمار، إضافة إلى التعاون في مجالات التعليم والتكنولوجيا وتنمية القدرات البشرية.
إلى تفاصيل الحوار الذي أجراه الزميل *مأرب الورد*:
*العلاقات الثنائية والشراكة الاستراتيجية*
*س: تتمتع الصين واليمن بعلاقات ودية منذ عقود. كيف تتصورون مستقبل العلاقات الثنائية في ضوء التغيرات الإقليمية والدولية الكبرى التي تشهدها الساحة اليوم؟ وبالنظر إلى المستقبل، كيف ترون العلاقات الصينية اليمنية خلال العقد المقبل؟ وما هي الخطوات التي ينبغي للبلدين اتخاذها لبناء شراكة استراتيجية أقوى تخدم المصالح طويلة الأمد لكلا الشعبين؟*
قبل الحرب، تعاونت الصين واليمن في العديد من مشاريع البنية التحتية والطاقة وتطوير الموانئ. هل لا تزال هذه المشاريع تحظى باهتمام الحكومة الصينية، وهل يمكن إحياؤها بمجرد تحسن الظروف في اليمن؟ وإذا دخل اليمن مرحلة ما بعد الحرب من السلام والاستقرار، فما هي القطاعات التي تعتقدون أن الصين يمكن أن تقدم فيها الإسهام الأكبر؟ وهل يمكن للصين أن تلعب دوراً مهماً في إعادة الإعمار، وتطوير الموانئ، والنقل، والطاقة، والاستثمار الصناعي؟
*ج:* على مدى 70 عاماً مضت منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، حققت العلاقات الصينية اليمنية تقدماً ملحوظاً في مجموعة واسعة من المجالات. وتدعم الصين بحزم سيادة اليمن واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه. كما تدعم مجلس القيادة الرئاسي برئاسة *رشاد محمد العليمي*، والحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء *الدكتور سالم صالح بن بريك* في أداء مسؤولياتهما.
وبالنظر إلى المستقبل، تأمل الصين في تعزيز الثقة السياسية المتبادلة بين البلدين، ومواصلة دفع عملية السلام في اليمن، وتأمل بصدق أن يحقق اليمن السلام والاستقرار في وقت مبكر.
قبل اندلاع الحرب الأهلية، نفذت الصين أكثر من 100 مشروع في اليمن. ويمكن رؤية بصمة الصين في جميع محافظات اليمن، بدءاً من طريق صنعاء-الحديدة السريع إلى طريق عدن-المكلا السريع، مما يعكس الإنجازات المثمرة للتعاون الصيني اليمني.
وفي السنوات الأخيرة، قدمت الصين مساعدات إنسانية وإغاثية كبيرة لليمن. وقبل فترة وجيزة، قدمت الصين مساعدات غذائية بقيمة مليون دولار أمريكي لمحافظة مأرب، وتبرعت بحوالي 2000 قطعة من المعدات الطبية شملت سيارات الإسعاف وأجهزة التنفس الصناعي لوزارة الصحة العامة والسكان اليمنية، ووفرت معدات لتوليد الطاقة الكهروضوئية لوزارة الخارجية اليمنية للمساعدة في التخفيف من نقص الكهرباء.
وتجري الصين حالياً مشاورات مع وزارة الداخلية اليمنية بشأن تقديم إمدادات إضافية لدعم جهود اليمن في استعادة الاستقرار الاجتماعي في وقت مبكر. بالإضافة إلى ذلك، ستعزز الصين تواصلها مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية بهدف تقديم المزيد من المساعدات لليمن.
*جهود السلام والتسوية السياسية*
*س: أعربت الصين باستمرار عن دعمها لوحدة اليمن وسيادته وللتسوية السياسية الشاملة. من وجهة نظر بكين، ما هي الأولويات الرئيسية لدفع عجلة السلام وإنهاء الصراع في اليمن؟ وفي السنوات الأخيرة، برزت الصين بشكل متزايد كوسيط دبلوماسي في الشؤون الإقليمية، وكان أبرز ذلك تسهيل التقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران. إذا طُلب منها من قبل الأطراف اليمنية أو المجتمع الدولي، هل يمكن للصين أن تلعب دوراً أوسع في دعم تسوية سياسية شاملة في اليمن؟*
*ج:* ظلت القضية اليمنية دون حل لسنوات عديدة. وفي الوقت الحاضر، تعثرت العملية السياسية في اليمن، وتستمر المخاطر الأمنية في التراكم، ويتدهور الوضع الإنساني بسرعة، وتواجه جهود استعادة السلام والاستقرار في اليمن تحديات عديدة. ولدفع التسوية السياسية للقضية اليمنية، يجب التمسك بثلاث أولويات:
*أولاً:* يجب على جميع الأطراف الالتزام بالحل السياسي ومواصلة دفع عملية السلام في اليمن. وتدعم الصين حماية سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه، وتدعو جميع الأطراف إلى حل خلافاتهم من خلال الحوار السياسي، وتحقيق المصالحة في وقت مبكر، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار الاقتصادي في أقرب وقت ممكن.
*ثانياً:* ينبغي بذل الجهود لمنع المزيد من التصعيد وحماية السلام والاستقرار في اليمن بشكل مشترك. وتدعو الصين جميع الأطراف اليمنية إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس، والامتناع عن اللجوء إلى القوة أو إثارة جولات جديدة من الصراع، والحفاظ على الاستقرار في اليمن.
*ثالثاً:* يجب توسيع المساعدات الإنسانية للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية في اليمن. ويجب على المجتمع الدولي زيادة الدعم الإنساني لليمن، وضمان حصول وكالات الأمم المتحدة الإنسانية على موارد مالية كافية، ومنع المزيد من تفاقم أزمة الغذاء.
وستواصل الصين العمل مع المجتمع الدولي لتعزيز التسوية السياسية للقضية اليمنية وبذل جهود دؤوبة لاستعادة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
*أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب*
*س: شهد البحر الأحمر ومضيق باب المندب توترات متزايدة تهدد أحد أهم الطرق البحرية الاستراتيجية في العالم. كيف تقيّم الصين تداعيات هذه التطورات على الأمن الإقليمي والتجارة العالمية؟*
*ج:* مضيق باب المندب مضيق دولي يُستخدم للملاحة الدولية. إن استعادة أمن المضيق وضمان الاستئناف المبكر للملاحة الآمنة والحرة يصبان في المصالح المشتركة لجميع الأطراف.
ويجب معالجة القضايا المتعلقة بالملاحة عبر المضيق بشكل مناسب وبطريقة تستجيب بحذر للمخاوف الواسعة النطاق للمجتمع الدولي. والصين مستعدة للحفاظ على التواصل مع الدول المعنية والمجتمع الدولي بشأن هذه المسألة.
*التوازن بين الأمن البحري ومنع الصراع*
*س: أكدت الصين مراراً وتكراراً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر هي مسؤولية دولية مشتركة، مع معارضتها في الوقت ذاته لأي تصعيد عسكري إضافي. من وجهة نظر الصين، كيف يمكن للمجتمع الدولي تحقيق التوازن بين حماية الأمن البحري ومنع صراع إقليمي أوسع؟*
*ج:* يتطلب حل أزمة البحر الأحمر احترام القانون الدولي والحقوق المشروعة لجميع الدول. ويمثل البحر الأحمر طريقاً تجارياً دولياً مهماً، وحماية أمن الممرات الملاحية فيه مسؤولية مشتركة لجميع الأطراف.
ويجب على جميع الأطراف احترام حقوق السفن التجارية لجميع الدول في الإبحار في البحر الأحمر وفقاً للقانون الدولي والعمل المشترك لدعم النظام الطبيعي للتجارة الدولية.
كما يتطلب التعامل مع مسألة البحر الأحمر احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها وبذل الجهود لتعزيز خفض التصعيد الشامل للتوترات الإقليمية.
إن تجدد الصراع العسكري في المنطقة لا يخدم مصالح أي طرف. وينبغي للأطراف المعنية أن تظل عقلانية وأن تمارس ضبط النفس لمنع اتساع رقعة الصراع وتصعيده.
*التواصل الدبلوماسي وحماية الملاحة*
*س: ذكرت وكالة رويترز مؤخراً أن مسؤولين صينيين أجروا اتصالات مباشرة مع حركة الحوثيين فيما يتعلق بالمرور الآمن لناقلات النفط الصينية عبر البحر الأحمر. كيف تردون على هذه التقارير؟ وبشكل أوسع، هل تعتبر الصين التواصل مع جميع الأطراف المعنية جزءاً من جهودها الدبلوماسية لحماية الشحن الدولي؟*
*ج:* تتابع الصين عن كثب التطورات في البحر الأحمر. وتعتقد الصين أنه يجب احترام سيادة وأمن جميع الدول في المنطقة، وأنه يجب حماية سلامة الممرات الملاحية الدولية والتشغيل السلس لها بشكل مشترك.
وتدعو الصين جميع الأطراف المعنية إلى مواصلة حل الخلافات من خلال الحوار والتشاور، والامتناع عن الإجراءات التي قد تؤدي إلى تفاقم المواجهة، والعمل معاً لاستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج في وقت مبكر.
*التوازن الاستراتيجي في المنطقة*
*س: تحتفظ الصين بشراكات استراتيجية مع دول الخليج، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات مع إيران والتعبير عن دعمها للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. كيف تدير بكين هذا التوازن الدقيق وسط التوترات الإقليمية الحالية؟*
*ج:* حافظت الصين باستمرار على موقف محايد، ودعمت جميع الجهود المواتية للسلام، كما دعمت إيران في تحسين علاقاتها مع دول الخليج ودول المنطقة الأخرى.
ووفقاً للمقترح المكون من أربع نقاط الذي طرحه الرئيس *شي جين بينغ*، فإن الصين تقف على أهبة الاستعداد لمواصلة تقديم المساعدة بطريقتها الخاصة ولعب دور بناء في استعادة السلام والهدوء في المنطقة في وقت مبكر.
*مبادرة الحزام والطريق*
*س: بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لليمن على طول أحد أهم الممرات البحرية في العالم، كيف تنظر الصين إلى مكانة اليمن ضمن مبادرة الحزام والطريق؟ وهل لا يزال اليمن يحظى بأهمية استراتيجية في هذه الرؤية؟*
*ج:* يتمتع اليمن بموقع جغرافي استراتيجي للغاية على طول البحر الأحمر ومضيق باب المندب. واليوم، ولّدت مبادرة الحزام والطريق أكثر من تريليون دولار أمريكي من الاستثمارات في جميع أنحاء العالم، مع التركيز في المشاريع الكبرى على البنية التحتية مثل الموانئ والسكك الحديدية.
وفي عام 2019، وقعت الصين واليمن مذكرة تفاهم بشأن التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق. وحضر حفل التوقيع وزير الصناعة والتجارة اليمني آنذاك *محمد الميتمي*.
وقد أعربت العديد من الشركات الصينية بالفعل عن اهتمامها بالمشاركة في إعادة إعمار اليمن. وتأمل الصين أن يحقق اليمن السلام والاستقرار في وقت مبكر من أجل جذب المستثمرين الصينيين للعودة إلى اليمن.
*التبادل التعليمي والثقافي*
*س: هناك اهتمام متزايد بين الشباب اليمني بنموذج التنمية الصيني، لا سيما في مجالات التحول الاقتصادي والتكنولوجيا والابتكار والتصنيع. كيف تنظر الصين إلى هذا الاهتمام المتزايد؟ وما هي الرسالة التي ترغبون في إيصالها إلى جيل الشباب في اليمن؟*
*ج:* تعد الصين من بين الدول الرائدة في العالم في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية. لقد أفاد التقدم العلمي والتكنولوجي للصين الشعب الصيني، وتأمل الصين أيضاً أن يتشارك شعوب اليمن والشرق الأوسط وبقية العالم ثمار التقدم التكنولوجي.
ولتحقيق هذه الغاية، وفرت الصين بنشاط لليمن فرص التدريب وبرامج المنح الدراسية عبر مجموعة واسعة من التخصصات المهنية. وفي الوقت الحاضر، يواصل أكثر من 6500 طالب يمني دراستهم في الصين. وتأمل الصين أن يساهموا، عند إكمال دراساتهم، في التطور العلمي والتكنولوجي لليمن وكذلك في التنمية الوطنية.
وفي الوقت نفسه، شجعت الصين بفعالية تعليم اللغة الصينية في الجامعات اليمنية. وقد قدمت العديد من الجامعات في اليمن بالفعل دورات في اللغة الصينية، ويدرس حالياً ما يقرب من مائة طالب اللغة الصينية في جامعة عدن.