آخر تحديث :الخميس-06 أغسطس 2026-08:21م
أخبار وتقارير


حين كانت النجوم مرصداً جوياً لمزارعي دلتا أبين

حين كانت النجوم مرصداً جوياً لمزارعي دلتا أبين
الخميس - 06 أغسطس 2026 - 07:08 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

في ليالي دلتا أبين الهادئة، وقبل أن تعرف القرى نشرات الطقس أو تسمع بمحطات الأرصاد الجوية، كان هناك رجال يرفعون أبصارهم إلى السماء، فيقرأون فيها ما لا يراه غيرهم. كانوا مزارعين بسطاء في مظهرهم، لكنهم حملوا في ذاكرتهم علماً صنعته التجربة الطويلة، وصقلته معاشرة الأرض جيلاً بعد جيل.

كان أحد هؤلاء المزارعين يقف بعد صلاة الفجر عند حافة حقله، ينظر نحو الشمال حيث تمتد الجبال التي تنحدر منها أودية أبين. يتأمل مواقع النجوم، ويراقب حركة الرياح، ويتفحص لون الأفق، ثم يعود إلى رفاقه قائلاً بثقة:

"هذا العام السيول قوية وقريبة... جهزوا الأرض ونظفوا السواقي."

لم يكن حديثه ناتجاً عن تخمين، بل عن خبرة متراكمة تعلمها من والده وجده، اللذين تعلما بدورهما من آبائهما. فقد كان مزارعو دلتا أبين يربطون بين ظهور بعض النجوم واختفاء أخرى، وبين دخول المواسم الزراعية، ويستدلون من اتجاه الرياح ورطوبة الجو وتكوّن السحب على احتمالات هطول الأمطار في المرتفعات التي تغذي وادي بنا ووادي حسان.

وكانوا يعلمون أن المطر الذي يهطل في الجبال البعيدة اليوم قد يتحول بعد ساعات أو أيام إلى سيل ينعش الحقول ويروي الأرض العطشى. لذلك كانوا يحرصون على تنظيف القنوات، وفتح مجاري المياه، وتجهيز الأراضي قبل وصول السيل، مستفيدين من تلك الخبرة التي أصبحت مع الزمن جزءاً من التراث الزراعي للدلتا.

ولم تكن معرفة الأجداد مقتصرة على الطقس وحده، بل كانت تشمل تقويماً زراعياً متكاملاً. فقد عرفوا مواعيد الحراثة والبذر والحصاد، وحددوا أفضل أوقات زراعة الذرة والسمسم والقطن والخضروات، كما أتقنوا حفظ البذور المحلية واختيار أجودها للمواسم القادمة.

وكانت هذه المعارف تنتقل من جيل إلى آخر في الحقول، ومجالس القرى، وتحت ظلال الأشجار، دون شهادات أو كتب، لكنها كانت دقيقة إلى حد مدهش، لأنها وُلدت من الممارسة اليومية والارتباط العميق بالأرض.

واليوم، ومع رحيل كثير من كبار المزارعين، تتعرض هذه الخبرات لخطر الاندثار. ومع أن التكنولوجيا الحديثة قدمت وسائل متطورة للتنبؤ بالطقس وإدارة الزراعة، فإن ذلك لا يقلل من قيمة المعرفة المحلية التي تشكل جزءاً من هوية دلتا أبين وتاريخها الزراعي العريق.

إن توثيق قصص الأجداد وخبراتهم في قراءة النجوم والمواسم والسيول ليس مجرد حفظ لذكريات الماضي، بل هو حفظ لذاكرة جماعية ساعدت أجيالاً كاملة على التعايش مع البيئة وتحقيق الأمن الغذائي في ظروف كانت أشد قسوة من ظروف اليوم.

لقد كانت السماء كتابهم المفتوح، وكانت الأرض معلمتهم الكبرى، وبين النجوم والرياح والسيول كتب أجدادنا فصولاً من الحكمة الزراعية ما زالت تستحق أن تُروى وأن تُحفظ قبل أن يطويها الزمن.

م. عبدالقادر السميطي

عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة

دلتا أبين