بقلم: نور علي صمد
تتزاحم الأزمات إلى درجة قد تتحول معها معاناة الشعوب إلى أرقام عابرة في التقارير، وقد يبدو تقليص المساعدات قرارًا ماليًا أو إجراءً إداريًا تحكمه حسابات الميزانيات والأولويات. لكن خلف كل رقم حكاية إنسان، وخلف كل خفض في الدعم وجبة قد تغيب، ودواء قد ينفد، وطفل قد يجد نفسه خارج المدرسة، وأسرة تقضي ليلها في انتظار غدٍ أكثر قسوة.
إن تقليص المساعدات الإنسانية لا يعني فقط انخفاض حجم التمويل أو تقليص البرامج، بل يعني أن شريانًا أساسيًا للحياة بدأ يضعف، شريانًا تعتمد عليه أسر أنهكتها الأزمات، ومرضى لا يملكون كلفة العلاج، وأطفال لم يعرفوا من الطفولة سوى الخوف والحرمان.
فالجوع لا يقاس بما تخلو منه الموائد فحسب، بل بما يتركه من آثار عميقة في الجسد والروح والمستقبل. ففي المراكز الصحية تتجسد الأزمة في عيون أمهات يحملن أطفالًا أنهكهم سوء التغذية، بينما يتحول نقص الأدوية والمكملات العلاجية والخدمات الأساسية إلى فارق قد يفصل بين التعافي وتدهور الحالة.
وفي المدارس قد يدفع الفقر وغياب الدعم آلاف الأطفال إلى ترك مقاعدهم الدراسية، والبحث عن أي مصدر دخل يساعد أسرهم على البقاء. وهكذا تتحول سنوات التعلم إلى عبء مؤجل، وتستبدل الكتب بأعمال شاقة، وتصبح أحلام الطفولة مؤجلة إلى وقت لا يعرف أحد متى يأتي.
أما في مخيمات النزوح ومناطق الهشاشة، فتتضاعف المعاناة، إذ يواجه الناس فقدان الأمان من جهة، وتراجع المساعدات التي كانت توفر لهم الحد الأدنى من الغذاء والمأوى والرعاية من جهة أخرى.
فالمساعدة الإنسانية ليست ترفًا، وليست امتيازًا مؤقتًا، بل قد تكون في أوقات الأزمات الجسر الأخير الذي يحفظ للإنسان حقه في الحياة والكرامة. وحين يتراجع هذا الدعم، تُجبر الأسر على اتخاذ قرارات مؤلمة لا ينبغي لأي إنسان أن يضطر إليها، مثل بيع ما تبقى من ممتلكاته، أو الاستدانة لتأمين الغذاء، أو تأجيل علاج مريض، أو التخلي عن احتياجات أساسية من أجل النجاة يومًا آخر.
والأخطر من ذلك أن تتحول المعاناة إلى مشهد مألوف، وأن يعتاد العالم صور الجوع والنزوح والحرمان حتى تفقد قدرتها على إيقاظ الضمير. عندها تصبح التخفيضات الإغاثية أرقامًا في جداول مالية، بينما تبقى آثارها حاضرة في بيوت لا تملك صوتًا، وقلوب تنتظر من يسمعها.
صحيح أن المساعدات الإنسانية لا تمثل حلًا دائمًا، وأن المجتمعات تحتاج إلى التنمية والاستقرار، وتوفير فرص العمل، وبناء اقتصاد قادر على حماية الناس من الحاجة. لكن إلى أن تتحقق هذه الأهداف، تبقى المساعدات طوق نجاة لا يمكن الاستغناء عنه، وسندًا ضروريًا يمنع الأزمات من التحول إلى كوارث أعمق.
إن تقليص الدعم قبل أن تستعيد المجتمعات قدرتها على الوقوف من جديد يشبه سحب طوق النجاة ممن لا يزالون يصارعون الأمواج.
إن المسؤولية الإنسانية لا تقاس بحجم الوعود، بل بقدرتها على الوصول إلى الإنسان في الوقت الذي يحتاجها فيه. فكل رقم في تقارير العجز المالي يمثل حياة قد تتغير، وكل برنامج يُغلق قد يترك فراغًا في صحة طفل، أو تعليم شاب، أو أمن أسرة.
فما يحتاجه المتضررون ليس الشفقة، بل التضامن، ولا الوعود المؤجلة، بل استجابة تحفظ الحياة والكرامة.
فحين يتراجع العون، لا تتقلص الموازنات وحدها، بل تتسع دائرة الجوع، ويزداد الخوف، ويصبح المستقبل أكثر هشاشة.