آخر تحديث :الجمعة-31 يوليو 2026-09:24م
أخبار وتقارير


المناصب ترحل... والأخلاق تبقى

المناصب ترحل... والأخلاق تبقى
الجمعة - 31 يوليو 2026 - 07:24 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

في هذا الزمن الذي اختلطت فيه الألقاب بالمظاهر، وبات كثيرون يظنون أن المسؤولية تُقاس بما يحيط بالمسؤول من مواكب ومكاتب فخمة، يبقى هناك رجال يكتبون أسماءهم في ذاكرة الناس بسلوكهم قبل قراراتهم، وبأخلاقهم قبل مناصبهم.

ومن هؤلاء الدكتور بسام الطالبي، مدير عام مديرية سرار، الذي أراه بحق واحدًا من أنجح مديري المديريات في محافظة أبين، ليس لأن مكتبه يعج بالمراجعين، بل لأن أيامه ولياليه تمضي في متابعة مصالح الناس، والبحث عن المشاريع، وطرق أبواب الوزارات، والدفاع عن حق مديريته بكل ما أوتي من إخلاص وعزيمة.

لقد التقيت بالدكتور بسام أكثر من مرة في محافظة أبين، وكان حضوره دائمًا مرتبطًا بالعمل. لم أصادفه يومًا في مناسبة للظهور، بل وجدته في رحلة لمتابعة مشروع، أو ملاحقة معاملة، أو البحث عن فرصة تنموية تخدم أبناء سرار. وكان ذلك كافيًا لأدرك أن هذا الرجل يعيش للمسؤولية، ولا يعيش من أجلها.

غير أن أكثر ما استوقفني فيه لم يكن نشاطه، وإنما تواضعه النادر.

ولا يزال موقف واحد محفورًا في ذاكرتي، كلما تذكرته ازددت احترامًا لهذا الإنسان. كنت أقف في انتظار وسيلة نقل، فتوقفت سيارة أجرة وقد امتلأت مقاعدها بالركاب. وما إن رآني الدكتور بسام حتى نهض من مكانه على الفور، وأقسم بالله أن أجلس مكانه، بينما بقي هو متعلقًا بباب السيارة طوال الطريق، راضيًا أن يتحمل المشقة حتى يريح غيره.

ذلك الموقف لم يكن تصرفًا عابرًا، بل كان مرآة لأخلاق رجل يرى في احترام الناس واجبًا، وفي التواضع قيمة لا يتخلى عنها مهما علا منصبه. وأقسم بالله أنني لن أنسى ذلك الموقف ما حييت.

وما يزيد هذا التقدير أن الدكتور بسام، عندما تقتضي مهامه متابعة أعمال مديرية سرار في المحافظة أو مراجعة الوزارات، يتنقل بسيارات الأجرة كأي مواطن بسيط، لا يتذمر، ولا يجعل من غياب الإمكانات عذرًا للتقصير، بل يواصل العمل بصمت، واضعًا مصلحة الناس فوق راحته الشخصية.

ومن هنا، فإنني أناشد اللواء الدكتور مختار الخضر الرباش الهيثمي، محافظ محافظة أبين، وهو الذي عُرف بدعمه للكفاءات والمخلصين، بتوفير سيارة خاصة للدكتور بسام الطالبي، ولو بعهدته طوال فترة توليه إدارة المديرية، حتى يتمكن من متابعة أعمال ومشاريع مديرية سرار، والتنقل بين المحافظة والوزارات بما ينسجم مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

إن توفير وسيلة نقل لمسؤول يعمل بهذه الروح ليس امتيازًا شخصيًا، بل هو دعم لمسيرة عمل، واستثمار في مسؤول أثبت أن الإخلاص لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الإنجاز يولد من الميدان لا من المكاتب.

ويبقى الرجال الحقيقيون كالأشجار المباركة، لا تعلو لتتباهى بارتفاعها، بل لتمنح الناس ظلًا أوسع. وكلما ازدادت ثمارها، ازداد انحناؤها تواضعًا.

لهذا أقول إن المناصب زائلة، والسيارات تبلى، والكراسي تتبدل، أما الأخلاق فتبقى، والمواقف النبيلة لا يطويها الزمن. وما فعله الدكتور بسام الطالبي في ذلك اليوم لم يكن مجرد تنازل عن مقعد، بل كان ارتقاءً إلى مكانة لا تمنحها قرارات التعيين، وإنما تمنحها قلوب الناس.

سلام على كل مسؤول جعل من التواضع تاجًا، ومن خدمة الناس رسالة، ومن حسن الخلق طريقًا إلى الخلود في ذاكرة وطنه.

م. عبدالقادر السميطي

عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة

دلتا أبين