آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-01:37ص
أخبار محلية


سقطت الشجرة... ولم تسقط الذاكرة الرمز الشامخ في قلب محطة البحوث الزراعية

سقطت الشجرة... ولم تسقط الذاكرة
الرمز الشامخ في قلب محطة البحوث الزراعية
الإثنين - 20 يوليو 2026 - 10:11 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

في قلب محطة البحوث الزراعية بمنطقة الكود، وقفت شجرة الكازورينا شامخة لعقود. لم تكن مجرد شجرة تزين المكان، بل كانت شاهدًا حيًا على مرحلة ذهبية من تاريخ الزراعة في اليمن، وزمنٍ كان فيه البحث العلمي يحظى بالاهتمام والرعاية.

يروي من عاصروا تلك المرحلة، وأنا واحد منهم، أن الرئيس الشهيد سالم ربيع علي هو من غرس هذه الشجرة بيده عام 1973م، ووُضعت إلى جوارها لوحة تعريفية توثق المناسبة. ومع مرور السنوات، نمت الشجرة واتسعت ظلالها، حتى غدت معلمًا بارزًا يعرفه كل باحث ومهندس وزائر للمركز.

صراع السياسة وصمود الأرض

كثيرًا ما تحاول السياسة طمس ما لا ينبغي تغييره. فبعد أحداث عام 1978م، أُزيلت اللوحة التعريفية التي تؤرخ لغرس الشجرة، في محاولة لإقصاء شواهد تلك الحقبة. غير أن الشجرة بقيت في مكانها، راسخة بجذورها، وكأنها تؤكد أن التاريخ لا يُمحى بإزالة لوحة، وأن ذاكرة الأرض أصدق من تقلبات السياسة.

مرت السنوات، ورحل من غرس الشجرة، ورحل من أزال اللوحة، بينما بقيت شجرة الكازورينا تؤدي رسالتها بصمت، شاهدةً على منارة علمية طالما قطف المزارعون ثمار بحوثها، واستفادوا من جهود الباحثين والمهندسين الذين عملوا فيها.

النهاية الحتمية ودرس الذاكرة

بعد أكثر من نصف قرن من الصمود، لم تكن نهاية شجرة الكازورينا نتيجة رياح عاتية، كما قد يظن البعض، بل جاءت ضمن واقع مؤلم تمثل في اختفاء هذه الشجرة العريقة، مع عدد من الأشجار الأخرى، عندما تم إنشاء مبنى جديد لهيئة البحوث الزراعية في الموقع نفسه.

وهكذا غابت شجرة كانت شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ البحث الزراعي، ليس بفعل الطبيعة، وإنما بفعل تغيّر المكان وتبدل الأولويات. اختفى الجذع، وغابت الأغصان، لكن القصة والذاكرة بقيتا حيتين في نفوس كل من عرفها وعمل في هذا الصرح العلمي.

لقد علمتنا تلك الشجرة درسًا بليغًا، أن الإنجازات الوطنية لا تُقاس بعمر الأشخاص، ولا بتبدل الأنظمة والمباني، بل بما تتركه من أثر في الأرض والناس. فالأماكن قد تتغير، والمعالم قد تختفي، لكن الذاكرة الحقيقية تبقى محفوظة في وجدان من عاشوا تلك المراحل.

وفاءً للذاكرة... شجرة جديدة تحمل الحكاية

إن أقل ما يمكن أن نقدمه وفاءً لهذه الشجرة، التي ارتبطت بذاكرة مركز البحوث الزراعية بالكود، هو أن تُغرس شجرة كازورينا جديدة في موقع بارز من المحطة، وأن توضع بجوارها لوحة تعريفية توثق قصة الشجرة الأولى، وتخلد ذكرى مرحلة مهمة من تاريخ البحث الزراعي في اليمن.

فالأشجار ليست مجرد كائنات حية، بل هي رموز للزمن والإنسان والمكان. وغرس شجرة جديدة لا يعني تعويض شجرة رحلت، وإنما هو استمرار للرسالة التي حملتها لعقود؛ رسالة العلم والعطاء والانتماء للأرض.

لتبقى الأجيال القادمة تعرف أن في هذا المكان شجرة كانت شاهدة على تاريخ طويل من العمل والبحث وخدمة المزارعين، وأن ذاكرة المؤسسات العلمية لا تُحفظ بالكلمات فقط، بل تُصان بالرموز والشواهد التي تبقى حاضرة في وجدان الوطن.

ذاكرة لا تسقط

قد تُزال اللوحات، وقد تختفي الأشجار، لكن الذاكرة لا تسقط، وسيظل الهدم أسهل من البناء.

إن الحفاظ على الذاكرة المؤسسية والوطنية مسؤولية الجميع، فالأوطان التي تحترم تاريخها هي وحدها القادرة على بناء مستقبلها. ومن ينشغل بإزالة الرموز والشواهد لن يغير صفحات التاريخ، وإنما يحرم الأجيال من معرفة هويتها.

ستظل قصة هذه الشجرة تذكرنا بأن من يغرس خيرًا للوطن يترك أثرًا أبقى من عمره، وأن محاولات محو الذاكرة ستبوء بالفشل، لأن للأرض ذاكرة لا تنسى، وللتاريخ لسانًا لا يصمت.

إهداء خاص

إلى روح الرئيس الشهيد سالم ربيع علي (سالمين)، الذي كان من أبرز الداعمين للبحث العلمي والتنمية الزراعية، وغرس هذه الشجرة بيده لتبقى رمزًا للعطاء والانتماء.

وإلى أرواح كل من غادروا هذه الدنيا ممن أسهموا في بناء ورعاية مركز البحوث الزراعية بالكود، وإلى كل باحث ومهندس وعامل اعتنى بهذه الشجرة، وساهم في الحفاظ عليها.

وإلى كل من جلس تحت ظلالها، أو استظل بأغصانها، أو حمل في ذاكرته صورةً لها، لتظل شاهدةً على زمنٍ كان فيه للعلم مكانته، وللباحثين تقديرهم، وللوطن رجاله المخلصون.

وإلى كل من يؤمن بأن الحفاظ على ذاكرة المؤسسات العلمية هو جزء لا يتجزأ من الحفاظ على ذاكرة الوطن.

استشاري م. عبدالقادر السميطي

عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة