آخر تحديث :الإثنين-20 يوليو 2026-04:15ص
أخبار وتقارير


بين شعارات الدعم وواقع الحقول... إلى أين تمضي زراعتنا؟ قراءة في واقع البن والنخيل والعسل والقطن... بين شعارات الدعم وحقائق الميدان

بين شعارات الدعم وواقع الحقول... إلى أين تمضي زراعتنا؟
قراءة في واقع البن والنخيل والعسل والقطن... بين شعارات الدعم وحقائق الميدان
الأحد - 19 يوليو 2026 - 06:05 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

منذ سنوات، تتكرر الأحاديث عن أهمية البن اليمني، والنخيل، والعسل، والقطن، وتُعقد المؤتمرات، وتُنظم ورش العمل، وتُقام المعارض، وتُرصد الموازنات تحت عنوان دعم القطاع الزراعي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل انعكس كل ذلك على الحقول والمزارعين؟

فالزراعة لا تُقاس بعدد الورش، ولا بحجم الإنفاق الإعلامي، وإنما تُقاس بعدد الأشجار التي بقيت حية، وبالمزارع الذي استطاع مواصلة الإنتاج، وبالمحاصيل التي ازدادت كماً ونوعاً.

أولاً... البن عندما يموت رمز اليمن بصمت

كان البن اليمني يوماً عنواناً لهوية اليمن الزراعية، وكانت جباله تتزين بملايين الأشجار التي صنعت شهرة عالمية لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

لكن الواقع يدعو إلى القلق، فقد تقلصت أعداد أشجار البن بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي، بل وحتى مقارنة ببداية الألفية الجديدة. آلاف الأشجار جفت بسبب شح المياه، وضعف برامج الحماية، وغياب خطط الإنقاذ، بينما ما زالت المؤتمرات تتحدث عن دعم البن وكأن الواقع بخير.

إن السؤال الذي يستحق الإجابة هو: أين ذهبت مخرجات برامج الدعم؟ وهل تم تقييم نتائجها على أرض الواقع؟

ثانياً... النخيل شجرة مباركة بلا مشروع وطني

النخيل ليس مجرد محصول اقتصادي، بل هو جزء من الأمن الغذائي والتراث الزراعي في اليمن.

ومع ذلك، لا يزال المزارع يعاني للحصول على فسيلة سليمة، لأن اليمن حتى اليوم يفتقر إلى مشروع وطني لإنتاج فسائل النخيل بالزراعة النسيجية، وهي التقنية التي تعتمد عليها الدول المنتجة للتمور لضمان الجودة وخلو الفسائل من الأمراض.

والمفارقة أن إنشاء مختبر للزراعة النسيجية، بحسب طاقته الإنتاجية، تتراوح تكلفته بين 50 ألف دولار و250 ألف دولار فقط، وهو مبلغ يقل كثيراً عما يُنفق على ورش العمل والمؤتمرات خلال موسم واحد.

أليس من الأولى أن نستثمر في مشروع إنتاجي دائم، بدلاً من الإنفاق على أنشطة تنتهي بانتهاء فعالياتها؟

ثالثاً... نحل العسل ثروة تتعرض للاستنزاف

العسل اليمني من أشهر أنواع العسل في العالم، لكن إنتاجه أصبح مهدداً بسبب عوامل يمكن الحد منها إذا توفرت الإرادة.

فالنفوق المتزايد للنحل لم يعد سببه الاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية فقط، بل أيضاً القطع الجائر للأشجار وتدمير الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه النحل في غذائه.

كل شجرة سدر أو سمر أو سلم تُقطع تعني خسارة مصدر جديد للرحيق، وكل مبيد يُستخدم دون ضوابط يعني خسارة آلاف النحل، وبالتالي انخفاض الإنتاج الزراعي، لأن النحل هو الملقح الطبيعي لعشرات المحاصيل.

إن حماية النحل تعني حماية البيئة، وحماية الإنتاج الزراعي، وحماية مصدر دخل آلاف الأسر اليمنية.

رابعاً... القطن من محصول استراتيجي إلى ذكرى مؤلمة

كانت أبين عنواناً لزراعة القطن طويل التيلة، وكانت محالج القطن ومزارعه تشكل جزءاً من الاقتصاد الوطني.

أما اليوم، فقد تراجع هذا المحصول حتى كاد يختفي، واختفت معه فرص العمل والخبرات المتراكمة، دون وجود رؤية واضحة لإعادة إحيائه.

ويبقى السؤال: لماذا فقدت اليمن أحد أهم محاصيلها الاستراتيجية؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التراجع؟

خامساً... هل المشكلة في نقص الدعم أم في طريقة إدارته؟

قد لا تكون المشكلة في غياب الدعم، بل في طريقة توجيهه.

فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الورش أو الدورات أو المعارض، وإنما بما تحققه من أثر في الميدان.

ولو خُصص جزء من الأموال التي تُنفق على الأنشطة المؤقتة لإنشاء مختبرات زراعة نسيجية، ومشاريع حصاد مياه، وبنوك للبذور، ومراكز لإنتاج الشتلات، لكانت النتائج أكثر استدامة وفائدة.

سادساً... من النقد إلى الحل

إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما مراجعة شاملة للسياسات الزراعية، تقوم على:

إنشاء مختبرات وطنية للزراعة النسيجية.

تنفيذ برنامج وطني لإنقاذ البن.

حماية الغطاء النباتي ومنع الاحتطاب الجائر.

تنظيم استخدام المبيدات الزراعية.

إعادة إحياء زراعة القطن.

ربط أي تمويل أو دعم بنتائج إنتاجية قابلة للقياس.

تمكين مراكز البحوث الزراعية من قيادة التنمية الزراعية، لأنها تمتلك الخبرة العلمية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

ختاماً... رسالة عتاب من قلب الدلتا

هذا المقال ليس اتهاماً لأحد، ولا تقليلاً من جهود أحد، وإنما هو صرخة مزارع، ونداء باحث، وعتاب محب لوطنه.

إن البن، والنخيل، والعسل، والقطن ليست مجرد محاصيل زراعية، بل هي تاريخ اليمن، وهويته، وأحد مفاتيح أمنه الغذائي واقتصاده.

ويبقى السؤال الذي نأمل أن يجد إجابة صادقة...

هل توجد قيادة تمتلك الشجاعة لمراجعة الأولويات، وتحويل الأموال من مؤتمرات وورش تنتهي بانتهاء أيامها إلى مشاريع إنتاجية تبقى آثارها لعشرات السنين؟

فالتاريخ لن يسألنا كم مؤتمراً عقدنا، وكم ورشة عمل أقمنا، وكم دورة دربنا، بل سيسألنا: كم شجرة أنقذنا؟ وكم شتلة أو فسيلة زرعنا؟ وكم مزرعة أحيينا؟ وكم مشروعاً تركناه للأجيال القادمة؟

استشاري م. عبدالقادر السميطي

عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة

دلتا أبين