في مواسم تفتح الأزهار، حين تتنقل خلايا النحل بين الوديان والسهول بحثاً عن الرحيق، تنتقل أيضاً آمال النحالين وتطلعاتهم نحو موسمٍ أفضل وإنتاج أوفر. غير أن هذا المشهد الجميل الذي يزين الريف ويمنح الحياة للأرض كثيراً ما تعترضه تحديات ومشكلات تتكرر عاماً بعد عام بسبب غياب اللوائح المنظمة لعملية تنقل المناحل وترحالها.
وللأسف الشديد، تظهر العديد من الخلافات بين النحالين أثناء نقل المناحل من منطقة إلى أخرى بحثاً عن المراعي المناسبة للنحل، حيث تنشأ إشكالات تتعلق بتقارب مواقع المناحل، وانجراف النحل من خلايا إلى أخرى، والتنافس على المراعي، واختلاف وجهات النظر حول أحقية المواقع المناسبة لوضع الخلايا. كما يواجه النحالون تحديات أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في استخدام بعض المزارعين للمبيدات السامة أثناء فترات التزهير، الأمر الذي يتسبب في نفوق أعداد كبيرة من النحل ويؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي والثروة النحلية في آنٍ واحد.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، ممثلة بالمركز الوطني للعسل والجهات المختصة، لوضع لوائح تنظيمية واضحة وعادلة تنظم حركة المناحل وترحالها، وتحدد المسافات المناسبة بين المناحل، وآليات الإبلاغ والتنسيق عند نقل الخلايا، وحقوق وواجبات النحالين، إضافة إلى تنظيم العلاقة بين النحالين والمزارعين بما يضمن حماية النحل من مخاطر المبيدات خلال مواسم الإزهار.
إن وجود نظام واضح لا يهدف إلى تقييد أحد أو الحد من رزقه، بل إلى حماية الجميع وتحقيق العدالة ومنع النزاعات قبل وقوعها. فالتنظيم الجيد هو الضمان الحقيقي لاستقرار المهنة وحفظ الحقوق وتعزيز التعاون بين العاملين فيها.
إن النحل ليس مجرد مصدر للعسل، بل هو شريك أساسي في التوازن البيئي والأمن الغذائي من خلال دوره الحيوي في تلقيح المحاصيل الزراعية. وحماية النحال تعني حماية النحل، وحماية النحل تعني حماية الزراعة والحياة نفسها.
إن النحل رزقٌ مشترك، والمرعى مورد عام، ولا يمكن أن تستمر هذه المهنة العريقة إلا بروح التعاون والاحترام المتبادل بين النحالين. فالتنظيم ليس تقييداً لأحد، بل هو وسيلة لحفظ الحقوق ومنع الخلافات وضمان استدامة الثروة النحلية للأجيال القادمة.
وإذا كان النحل قد علّم البشرية معنى النظام والتعاون والعمل الجماعي، فإن الأولى بنا أن نستلهم من هذه المخلوقات المباركة روح التنظيم والشراكة والمسؤولية.
أخيراً، إذا انتظم النحالون ازدهرت المناحل، وإذا ازدهرت المناحل ازدهرت الأرض بما تحمله من حياة وخير.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
20 يونيو 2026م