عُقدت مساء الأربعاء 2 محرم 1448هـ، بزاوية أنيسة بعد صلاة العشاء، ندوة "السلاطين آل كثير"، برعاية الحبيب المنصّب علي بن عبدالقادر الحبشي، وتنظيم نظارة المشيخة الكبرى برباط العلم الشريف ومقام الإمام الحبشي.
وتأتي الندوة بدعوة من الحبيب محمد بن علي الحبشي، إحياءً لذكرى انتقال السلطان بدر بن عمر الكثيري، والسلطان عبدالله بن عمر الكثيري، والسلطان منصور بن غالب الكثيري، رحمهم الله، في شهر ذي الحجة.
افتتح الندوة الحبيب العلامة محمد بن علي بن عبدالقادر الحبشي بمدخل عام لمحاورها، مستشرفًا مجلسًا يُشمّ فيه عبق التاريخ في مسار حضرموت بعهد الدولة الكثيرية، تلك الدولة التي جمع حكامها بين السيف ومحبة العلم، فكانت أسرة اجتمعت فيها عقلية فائقة واستشعار بالمسؤولية العامة لدى جميع حكامها، وعلى امتداد عهودها التي تجاوزت ستة قرون. وحرص سلاطينها على الارتباط بالعلم والدين، ففي كل مرحلة يُذكر اقترانهم بعالم أو شيخ من أعلام البلد، ومنهم الشيخ عمر بن عبدالله بامخرمة، الذي ارتبط تاريخ الدولة الكثيرية بذكره ومآثره.
هدايا خالدة
ومما ذُكر عن استشعار السلاطين آل كثير للمسؤولية والمصلحة العامة، أنه عندما كان السلطان عائدًا من أداء فريضة الحج، كان يحمل همّ أهل دولته، فتجشّم مشقة السفر ليحمل إليهم هدايا يعمّ نفعها البلدان الحضرمية كافة؛ فجاء بالمدّ النبوي ليُضبط به الكيل، وبسند قراءة قالون عن نافع ليُحيي بها أهل حضرموت قراءة أهل المدينة، وفسيلة من نخلة تمر العجوة المدني لتُغرس في أرض حضرموت، فيكون فيها امتداد للبركة والأمن الغذائي.
وألقى الشيخ عبدالله صالح الكثيري، شيخ مشايخ قبائل آل كثير، المحور الثاني للندوة، واستهلّه بالإشارة إلى الارتباط الوثيق بين سلاطين حضرموت آل كثير وعلمائها، وفي مقدمتهم أسرة آل الحبشي والسادة العلويون عامة عبر مئات السنين. وشدد في مستهل محوره على أن اهتمام سلاطين آل كثير كان منصبًّا على المصلحة العامة للبلاد والعباد معًا.
توحيد حضرموت
ثم انتقل إلى الحديث عن نشأة الدولة الكثيرية في حضرموت وتلازم ارتباطها بالسادة آل البيت، بدءًا بالارتباط بمدينة عينات مقر السيد الحبيب أبي بكر بن سالم الحامد، ثم انتقال آل كثير إلى بور حيث وُلد السلطان علي بن عمر بن جعفر الكثيري، ومنها إلى ظفار حيث أُعلنت الدولة الكثيرية رسميًا عام 814هـ، وقيل 816هـ.
واستمر عهد السلطان علي بن عمر بن جعفر الكثيري، ثم تتابع السلاطين إلى أن وصل الحكم إلى السلطان التاسع بدر بن عبدالله أبو طويرق، الذي امتد حكمه لخمسين عامًا، وامتدت الدولة في عهده من ظفار شرقًا حتى العوالق في شبوة غربًا. وقد أرسى الأمن والاستقرار في حضرموت انطلاقًا من استشعاره للسلطة والمسؤولية العامة في توحيد البلاد والعباد.
وصُكّت في عهده العملة "البقشة" و"الريال"، وانتشرت المدارس والرباط، ومنها المدرسة البدرية بالشحر، وعُرف بمقاومة الغزو البرتغالي للشحر عقب معركة الشهداء السبعة، في المعركة الفاصلة التي قادها بنفسه، وتمكّن فيها أهل الشحر بقيادته من دحر الغزو البرتغالي.
واستعرض الشيخ عبدالله صالح الكثيري مسيرة السلطان بدر أبو طويرق ومآثره في توحيد حضرموت حتى وفاته في محبسه بالحصن الدويل "قصر السلطان الكثيري" في سيئون، بعد أن قام عليه ولده في أواخر عهده. واعتُبرت تلك المرحلة من أعظم مراحل الدولة الكثيرية في حكم حضرموت. كما أشار إلى قرب الشاعر عبدالصمد باكثير وقصائده في عهد السلطان بدر أبو طويرق.
وتابع في استعراض مراحل الدولة الكثيرية بين المدّ والانحسار الزماني والجغرافي في حضرموت حتى سقوطها عام 1967م.
وتناول المحوران الأخيران للندوة الجوانب التحليلية لمسارات الدولة الكثيرية، حيث قدّم الباحثان الدكتور محمد عاشور الكثيري، رئيس جامعة سيئون، والمهندس غازي رشاد الكثيري قراءة مقارنة وتقييمية لمراحل الحكم.
استراتيجية مبكرة
واستعرض الدكتور محمد عاشور الكثيري المقارنة بين أطول عهدين في تاريخ الدولة الكثيرية، وهما عهد السلطان بدر أبو طويرق وعهد السلطان غالب بن محسن الكثيري، ولكل منهما خمسون عامًا. وأشار إلى أن عهد السلطان بدر أبو طويرق اتّسم ببعد استراتيجي مبكر، إذ تزامن مع بدء الأطماع الغربية في السيطرة على طرق الملاحة الدولية في البحر العربي، وتمثل ذلك بالحملة البرتغالية للسيطرة على ميناء الشحر الاستراتيجي.
وأدرك السلطان حينها أهمية التطوير العسكري والتواصل مع قوى النفوذ العالمية، فكانت الدولة العثمانية خياره باعتبارها الخلافة الإسلامية والمرجع السياسي للعالم الإسلامي، فاستعان بها لتوفير البنادق والمدفعية العثمانية، بما مكّنه من توحيد البلاد وتعزيز قدرتها على مواجهة الأطماع الخارجية. كما استعرض مظاهر البناء المؤسسي في عهده، ومنها النظام المالي، وصك العملة، وسنّ القوانين، وتنظيم الضرائب، وإرساء قواعد الإدارة المنظمة للدولة.
دعاة لا حكّام
فيما تناول المهندس غازي رشاد الكثيري في محوره تحليل العلاقة بين سلاطين الدولة الكثيرية والعلم والسادة آل البيت، وكيف انعكس ذلك على سلوكهم، فكانوا أقرب إلى الدعاة والزهاد منهم إلى الحكام. وأشار إلى مظاهر الورع والزهد في الحكم، حتى إن السجن كان يُخصص له محبس في زاوية عند مدخل القصر السلطاني، وكان السجين يُطعم من طعام السلطان نفسه. وذكر في الأثر أن سجينًا رفض مغادرة السجن بعد انتهاء محكوميته لكونه يحصل على نفس معيشة السلطان.
وأشار إلى حرص السلاطين على إرساء دعائم الحكم المدني والمؤسسي واستقلال القضاء، حتى تنازلوا عن صلاحياتهم القضائية لأسرة المشايخ آل بارجاء لتتولى إدارة المحاكم والفصل في المنازعات باستقلالية تامة. واستشهد بما دوّنه التاريخ من وقائع تؤكد استقلال القضاء في حضرموت بعهد الدولة الكثيرية، ومنها احتكام السلطان علي بن منصور إلى القاضي، وامتثال السلطان منصور بن غالب الكثيري أمامه شاهدًا في واقعة سابقة.
تجدر الإشارة إلى أن الندوة حضرها وشارك في مداخلاتها الأستاذ سقاف الكاف، مستشار محافظة حضرموت، وتواصلت المداخلات التي أثرت محاور الندوة بعدد من الأطروحات. ومن أبرز ما خُتمت به محاور الندوة الإشارة إلى أن السلطان بدر أبو طويرق يُعد من أوائل من قادوا المقاومة ضد الاستعمار الغربي في الجزيرة العربية، وذلك بقيادته للمقاومة ضد الغزو البرتغالي لمدينة الشحر على ساحل البحر العربي.
من/خالد_الكثيري