في بعض اللحظات لا تأتي الفكرة من كتاب، ولا من شاشة عرض، ولا من أي مقال قرأته في أي مجلة، بل تولد من حوار هادئ يوقظ التأمل في النفس والعقل معًا. وبينما كنا نتبادل النقاشات في إحدى الدورات التدريبية بقاعة إدارة المياه في مدينة زنجبار حول أساليب المكافحة المتكاملة للآفات وأهمية الوسائل الصديقة للبيئة في حماية المحاصيل الزراعية، استوقفتني المصائد الضوئية ودورها الفاعل في جذب الحشرات الضارة والحد من أضرارها.
وبين ضوء المصيدة الذي يجذب الحشرات نحو مصيرها المحتوم، عاد إلى ذهني حديث نبوي عظيم طالما مررنا عليه دون أن نتأمل أبعاده العلمية والسلوكية؛ حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي شبّه فيه حال الفراش والدواب التي تتهافت على النار بحال من يندفع نحو ما يضره دون بصيرة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها.
كان المشهد مدهشًا، فالعلم الحديث يوظف هذه الخاصية الفطرية لدى الحشرات في مكافحة الآفات الزراعية، بينما جسّدها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا في صورة بليغة تحمل أسمى معاني الرحمة والهداية.
لقد أثبتت الدراسات العلمية أن كثيرًا من الحشرات الليلية تمتلك ما يُعرف بالانجذاب الضوئي، حيث تنجذب بصورة فطرية إلى مصادر الضوء، فتتجه نحوها دون إدراك لما قد ينتظرها من هلاك. وهذا السلوك الطبيعي هو الأساس الذي تقوم عليه المصائد الضوئية المستخدمة اليوم في الزراعة الحديثة.
وتُعد المصائد الضوئية من أهم وسائل المكافحة الميكانيكية والفيزيائية ضمن برامج الإدارة المتكاملة للآفات، حيث تُستخدم لجذب العديد من الحشرات الضارة التي تهاجم المحاصيل الزراعية، مثل بعض أنواع العثّات والفراشات والحشرات الطائرة الأخرى، ثم جمعها أو التخلص منها بطرق آمنة تحد من تكاثرها وانتشارها.
ولا تقتصر أهمية هذه المصائد على خفض أعداد الحشرات فحسب، بل تساعد أيضًا في مراقبة الآفات وتحديد مواعيد ظهورها وذروة نشاطها، الأمر الذي يمكّن المزارعين والمرشدين الزراعيين من اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، وتقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية وما تسببه من آثار سلبية على البيئة والإنسان.
وعندما نتأمل هذا المشهد في الحقول الزراعية، نجد أنفسنا أمام صورة تكاد تكون مطابقة لما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف. فالحشرات تندفع نحو الضوء ظنًا منها أنه طريق النجاة، بينما يقودها في الحقيقة إلى الهلاك. وكذلك الإنسان قد ينجذب أحيانًا إلى أمور يظن فيها المنفعة أو المتعة، بينما تكون سببًا في الضرر والخسارة إن لم يتحلَّ بالبصيرة والحكمة.
إن روعة هذا التشبيه النبوي لا تكمن فقط في دقته البلاغية، بل في توافقه مع حقيقة سلوكية نشاهدها اليوم ونستفيد منها في العلوم الزراعية الحديثة. فالمصائد الضوئية أصبحت وسيلة مهمة لحماية المحاصيل الزراعية وتحقيق إنتاج أكثر استدامة، والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي، مستفيدة من السلوك نفسه الذي ضرب به النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا عظيمًا لأمته.
وهكذا يلتقي نور الهدي النبوي مع نور العلم الحديث، لنتعلم أن التأمل في الظواهر من حولنا لا يمنحنا المعرفة فحسب، بل يكشف لنا أيضًا عظمة هذا الدين الذي سبق إلى توجيه العقول والقلوب، وفتح أبواب التدبر في آيات الله المشهودة في الكون والحياة.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
17 يونيو 2026م