تعيش دلتا أبين اليوم واحدًا من أصعب المواسم الزراعية في ظل تحديات متراكمة ألقت بظلالها على المزارعين والإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، في وقت كانت فيه الدلتا تُعرف بسلة غذاء الجنوب لما تمتلكه من أراضٍ خصبة وخبرة زراعية متوارثة وتاريخ طويل في إنتاج القطن والحبوب والفول السوداني والسمسم والمحاصيل النقدية الأخرى.
ورغم الظروف الاقتصادية والمناخية الصعبة التي تمر بها البلاد، لا تزال الزراعة تمثل طوق النجاة الحقيقي للمجتمع، الأمر الذي يستدعي من الجميع ــ السلطة المحلية ومكتب الزراعة والمؤسسات البحثية والإرشادية والمنظمات الداعمة والمزارعين ــ العمل بروح المسؤولية والشراكة للحفاظ على هذا القطاع الحيوي وإنقاذ الموسم الزراعي وتعزيز مقومات التنمية الزراعية المستدامة.
أولاً: شح المياه واستنزاف المخزون الجوفي
يُعد تراجع الموارد المائية من أخطر التحديات التي تواجه الزراعة في دلتا أبين، خاصة مع التوسع الكبير في حفر الآبار واستخدام منظومات الطاقة الشمسية دون وجود إدارة متوازنة للمياه أو خطط فعالة لترشيد الاستهلاك.
إن استمرار الاستنزاف العشوائي للمياه الجوفية قد يقود مستقبلًا إلى أزمة زراعية حقيقية، ما يجعل من الضروري التوسع في تطبيق أنظمة الري الحديثة وربط مشاريع الطاقة الشمسية بمنظومات ري متكاملة تسهم في رفع كفاءة استخدام المياه والحفاظ عليها باعتبارها ثروة وطنية للأجيال القادمة.
ثانيًا: التغيرات المناخية واضطراب المواسم الزراعية
شهدت السنوات الأخيرة تغيرات واضحة في أنماط هطول الأمطار وجريان السيول وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مواعيد الزراعة وإنتاجية العديد من المحاصيل، وفي مقدمتها القطن والذرة الشامية والسمسم والفول السوداني وغيرها من المحاصيل.
وأصبح من الضروري تطوير وتحديث النشرات الإرشادية الزراعية بما يتوافق مع المتغيرات المناخية الحالية، بما يساعد المزارعين على اختيار المواعيد المناسبة للزراعة وتقليل حجم المخاطر والخسائر المحتملة.
ثالثًا: انتشار الأمراض والآفات الزراعية
تعاني محاصيل دلتا أبين من انتشار عدد من الآفات والأمراض الزراعية التي تهدد الإنتاج، من أبرزها دودة الحشد الخريفية التي تصيب الذرة الشامية، وآفة توتا أبسلوتا التي تؤثر على محصول الطماطم، إضافة إلى أمراض وآفات أخرى ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
وتتفاقم هذه المشكلة نتيجة ضعف إمكانيات التشخيص والمكافحة، ونقص المبيدات الفعالة، وتراجع الخدمات الإرشادية المقدمة للمزارعين.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى دعم مراكز البحوث الزراعية والإرشاد الزراعي وتمكينها من القيام بدورها العلمي والميداني في رصد الآفات وتقديم الحلول المناسبة وتوعية المزارعين بوسائل الوقاية والمكافحة الحديثة.
رابعًا: تدهور البنية التحتية الزراعية ومنشآت الري
تمثل البنية التحتية الزراعية ومنشآت الري السيلي أحد أهم التحديات التي تواجه دلتا أبين، حيث تعاني العديد من قنوات الري والسواقي والمنشآت الزراعية من التدهور نتيجة غياب الصيانة الدورية وتأثيرات السيول المتكررة، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه قبل وصولها إلى الأراضي الزراعية ويؤثر سلبًا على كفاءة العملية الزراعية بشكل عام.
كما برزت مشكلة العُقُم التحويلية كواحدة من أهم القضايا المرتبطة بإدارة مياه السيول، نظرًا لدورها الحيوي في توجيه المياه نحو الأراضي الزراعية والاستفادة منها بالشكل الأمثل.
وقد شهدت الفترة الأخيرة جهودًا مشكورة من قبل السلطة المحلية بمحافظة أبين بقيادة محافظ المحافظة الدكتور مختار الرباش، تمثلت في إعادة تأهيل عدد من العُقُم المهمة، وفي مقدمتها عُقم السادة والعش والجرائب وغيرها من العُقُم التي كانت تشكل مصدر قلق دائم للمزارعين بسبب تعرضها المستمر للتلف، وما يترتب على ذلك من ضياع كميات كبيرة من مياه السيول إلى البحر دون الاستفادة منها.
وقد تسهم هذه الأعمال في تحسين الاستفادة من مياه السيول وإعادة الأمل للمزارعين، وهي جهود تستحق الإشادة والتقدير، إلا أن الواقع يؤكد أن الحلول والمعالجات المؤقتة لم تعد كافية لمعالجة المشكلة بصورة جذرية.
فالعُقُم الترابية والتحويلية تتعرض للتلف والانجراف مع كل موسم سيول تقريبًا، ما يؤدي إلى تكرار المعاناة واستنزاف الموارد عامًا بعد عام.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو مشاريع استراتيجية مستدامة تقوم على إعداد دراسات هندسية متخصصة ورصد موازنات كافية لتنفيذ سدود وحواجز تحويلية خرسانية دائمة، قادرة على تنظيم حركة السيول وتوجيهها بكفاءة نحو الأراضي الزراعية، بما يضمن حماية الدلتا وتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق تنمية زراعية مستدامة تليق بمكانة أبين الزراعية وتاريخها العريق.
خامسًا: ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي
يواجه المزارع اليوم أعباءً متزايدة نتيجة الارتفاع المستمر في أسعار الديزل والبذور والأسمدة والمبيدات الزراعية وأجور الحراثة والحصاد والنقل، في الوقت الذي لا تزال فيه أسعار العديد من المحاصيل غير قادرة على تغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق عائد مجزٍ للمزارعين.
ومن هنا تبرز أهمية تقديم دعم مباشر للمزارعين الحقيقيين، وخاصة مزارعي القطن والحبوب والمحاصيل الاستراتيجية، من خلال برامج دعم مستدامة ترتبط بالإنتاج الفعلي وتسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحفيز التوسع الزراعي.
سادسًا: ضعف التسويق الزراعي
رغم تحقيق العديد من المزارعين إنتاجًا جيدًا في بعض المواسم، إلا أنهم يواجهون تحديات كبيرة في تسويق منتجاتهم نتيجة غياب الأسواق المنظمة وعدم استقرار الأسعار ووجود الوسطاء الذين يستحوذون على الجزء الأكبر من الأرباح.
ويؤدي ذلك إلى خسائر متكررة وإحباط لدى المنتجين، الأمر الذي يتطلب إنشاء أسواق زراعية منظمة، ودعم الصناعات التحويلية والتخزين والتعبئة والتسويق، بما يسهم في حماية المنتج المحلي وتحسين دخل المزارعين.
مسؤولية مشتركة لإنقاذ الدلتا
إن الحفاظ على دلتا أبين وتنميتها ليس مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الجميع، لأن الزراعة لم تعد مجرد مهنة أو نشاط اقتصادي، بل أصبحت قضية أمن غذائي ومستقبل تنموي يرتبط بحياة المجتمع واستقراره.
فالسلطات المحلية مطالبة بوضع رؤية زراعية متكاملة تهتم بإدارة المياه وتأهيل البنية التحتية وتفعيل الإرشاد الزراعي ودعم البحث العلمي ومساندة المزارعين. كما أن المزارعين مطالبون بالالتزام بالتوصيات الفنية وترشيد استخدام المياه وتعزيز التعاون فيما بينهم لمواجهة التحديات المشتركة.
وستظل دلتا أبين، رغم كل الظروف والتحديات، أرض الخير والعطاء والإنتاج، وقادرة على استعادة مكانتها الزراعية الرائدة متى ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية العلمية والدعم الحقيقي للمزارع باعتباره حجر الأساس في تحقيق التنمية الزراعية والأمن الغذائي.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
17 يونيو 2026م