آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-10:25م
أخبار وتقارير


طالبٌ يكتب إجاباته بالعرق... والحكومة تلتقط الصور

طالبٌ يكتب إجاباته بالعرق... والحكومة تلتقط الصور
الأحد - 07 يونيو 2026 - 08:42 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/أحمد العمودي

في صورة التُقطت خلال نزول أحد المسؤولين ببدلاتهم الرسمية إلى قاعة امتحانية، وهم يتفقدون سير الاختبارات ويستمعون إلى الشروحات والتقارير، كان أكثر ما يلفت الانتباه ليس المسؤولين ولا الزيارة، بل ذلك الطالب الجالس أمامهم.

طالبٌ يؤدي امتحانه وملابسه مبتلة بالعرق، في مشهد يكشف حجم المأساة التي يعيشها أبناء هذا الوطن. لم تكن ملابسه المبللة نتيجة جهد رياضي أو عمل شاق، بل نتيجة جلوسه داخل قاعة امتحان في مدينة تنهشها حرارة الصيف وتخنقها ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة.

هذا الطالب لم يكن بحاجة إلى زيارة بروتوكولية أو صورة تذكارية، بل كان بحاجة إلى كهرباء تمكّنه من النوم ليلًا قبل الامتحان. كان بحاجة إلى مروحة أو مكيف يخفف عنه حرارة الجو وهو يرسم ملامح مستقبله الأكاديمي. كان بحاجة إلى دولة تشعر بمعاناته قبل أن تأتي لتتفقده.

والمشهد الأكثر إيلامًا أن المسؤولين كانوا يقفون على بعد خطوات منه. رأوا العرق الذي يغطي وجهه، ورأوا آثار الحرارة التي أرهقت جسده، ورأوا الظروف القاسية التي يؤدي فيها امتحانه، لكن يبدو أن هذه المعاناة لم تحرك فيهم شيئًا.

فالطالب في هذه الصورة لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل آلاف الطلاب الذين قضوا لياليهم في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء، وآلاف الأسر التي تعيش صيفًا قاسيًا لا يُطاق، وآلاف المواطنين الذين أصبحوا يتعاملون مع أبسط حقوقهم وكأنها أحلام بعيدة المنال.

إن هذه الصورة تكشف المفارقة المؤلمة بين من يعيش الأزمة ومن يكتفي بتفقدها. فالطالب يعيشها بكل تفاصيلها، بينما يكتفي البعض بمشاهدتها. الطالب يدفع ثمنها من صحته وتركيزه ومستقبله، بينما تتحول معاناته، في كثير من الأحيان، إلى خلفية لزيارة رسمية أو تصريح إعلامي.

فما قيمة الحديث عن نجاح العملية الامتحانية إذا كان الطالب يخوض امتحانه في ظروف غير إنسانية؟ وما معنى الاطمئنان على سير الاختبارات إذا كانت البيئة التي يؤدي فيها الطلاب امتحاناتهم تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة؟

إن نجاح أي عملية تعليمية لا يُقاس فقط بعدد الطلاب الحاضرين أو بانتظام اللجان، بل بقدرة الدولة على توفير ظروف تحفظ كرامة الطالب، وتساعده على التركيز، وتمكّنه من تقديم أفضل ما لديه.

هذه الصورة ليست صورة زيارة حكومية، بل صورة إدانة لسنوات طويلة من الفشل في معالجة أبسط احتياجات الناس. صورة تقول إن المواطن ما زال وحيدًا في مواجهة الحر والغلاء وانهيار الخدمات، بينما تتكرر الوعود ويتجدد الكلام.

أما الطالب، بملابسه المبتلة من شدة الحر، فقد قال كل شيء دون أن ينطق بكلمة واحدة. كان أصدق من كل التصريحات، وأبلغ من كل البيانات، لأنه جسّد الحقيقة كما هي: شعبٌ يعاني، ومسؤولون يشاهدون المعاناة بأعينهم، لكنها لم تعد قادرة على إيقاظ الإحساس بحجم ما يعيشه الناس.

لقد كان الطالب جالسًا على مقعد الامتحان، لكنه في الحقيقة كان يمتحن ضمير الجميع.