آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-01:32ص
منوعات


​ثورة في الطب البيولوجي.. ديدان معدلة وراثياً تتحول إلى "مصانع دواء" داخل جسم الإنسان

​ثورة في الطب البيولوجي.. ديدان معدلة وراثياً تتحول إلى "مصانع دواء" داخل جسم الإنسان
الخميس - 04 يونيو 2026 - 11:57 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/وكالات

في إنجاز علمي غير مسبوق قد يغير وجه العلاجات الطبية المستدامة، نجح فريق بحثي من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس الأميركية، في إجراء تعديل وراثي على "الدودة الخطافية البشرية" (Hookworm)، لتحويلها إلى منصة حية قادرة على إنتاج وتوصيل الأدوية والأجسام المضادة داخل جسم العائل الحي بشكل مستمر.

​الدراسة التي نُشرت نتائجها في دورية Nature Communications، تمثل قفزة نوعية في استغلال الطفيليات المعوية – التي طالما عُرفت بضررها – وتحويلها إلى "مصانع بيولوجية دقيقة" مستقرة داخل أمعاء الإنسان، مما يفتح آفاقاً جديدة لعلاج أمراض الجهاز الهضمي المزمنة وحساسية الطعام.

​اختراق جيني.. من طفيل ممرض إلى منصة علاجية

​تعتمد الفكرة الأساسية للدراسة على الخصائص البيولوجية الفريدة للدودة الخطافية؛ حيث تمتلك هذه الطفيليات قدرة فائقة طوّرتها على مدى ملايين السنين للبقاء داخل أمعاء الإنسان لسنوات، عبر إفراز جزيئات خاصة تُحايد جهاز المناعة وتمنعه من طردها.

​واستغل الباحثون هذه الآلية الطبيعية، وعمدوا إلى تعديل المادة الوراثية للدودة لتمكينها من إنتاج جزيء علاجي محدد وإفرازه مباشرة في مجرى دم العائل. وكدليل مبدئي على نجاح المفهوم (Proof of Concept)، قام الفريق ببرمجة الدودة جينياً لإنتاج جسم مضاد يعادل سم "تيترودوتوكسين" (Tetrodotoxin)، وهو سم عصبي قاتل تنتجه بعض الكائنات البحرية مثل السمكة المنتفخة، ولا يوجد له ترياق معتمد حتى الآن.

​وأظهرت التجارب على النماذج الحيوانية أن الدم المأخوذ من الحيوانات التي استعمرتها الديدان المعدلة وراثياً، أظهر قدرة واضحة على تحييد السم جزئياً، بينما لم يُظهر دم الحيوانات المصابة بالديدان الطبيعية أي استجابة.

​استقرار طويل الأمد وأمان تحت السيطرة

​وفي سياق تعليقها على هذا الإنجاز، قالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، البروفيسورة ماكيدونكا ميتريفا، أستاذة الأمراض المعدية بجامعة واشنطن:

​"لقد أتقنت الدودة الخطافية طريقتين عبر التطور: البقاء لفترات طويلة داخل الجسم، وإفراز الجزيئات. ما فعلناه هو إضافة جزيء نافع وعلاجي واحد إلى آلاف الجزيئات التي تفرزها الدودة بالفعل، وأثبتنا أن الفكرة قابلة للتنفيذ جينياً وبيولوجياً".

​وتكمن الميزة الاستراتيجية للدودة الخطافية كمنصة علاجية في صفتين رئيسيتين:

​ثبات العدد: الديدان الخطافية لا يمكنها التكاثر داخل جسم العائل نفسه، مما يعني أن عدد الديدان المحقونة يظل ثابتاً ومحدداً بدقة.

​سهولة الإنهاء: يمكن القضاء على العدوى بالكامل وإيقاف العلاج في غضون 24 ساعة فقط باستخدام جرعة فموية واحدة من مضادات الطفيليات التقليدية.

​محاذير صحية وضوابط صارمة

​رغم التفاؤل الذي يحيط بالدراسة، لم يغفل الباحثون الجانب المظلم للديدان الخطافية؛ إذ إن العدوى الطبيعية الكثيفة قد تتسبب في مضاعفات خطيرة مثل فقر الدم الشديد وضعف النمو، لا سيما لدى الأطفال والحوامل والفئات الضعيفة صحياً. وبناءً على ذلك، شددت الدراسة على أن أي تطبيق طبي مستقبلي يجب أن يعتمد على أعداد ديدان مدروسة بدقة فائقة، وتحت مراقبة طبية صارمة.

​يُذكر أن التعديل الجيني لهذا الطفيل البشري استغرق أكثر من عقدين من أبحاث الجينوم التراكمية في جامعة واشنطن، نظراً لتعقيد تركيبته الجينية وعدم استجابتها للأدوات الوراثية التقليدية المستخدمة مع كائنات أخرى.

​تطبيقات مستقبلية: آفاق واعدة لعلاج "كرون" والقولون

​حظي هذا المشروع بتمويل من وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأميركية (DARPA)، في إطار السعي لابتكار حلول لمواجهة التهديدات البيولوجية والكيميائية في البيئات النائية التي تفتقر للرعاية الطبية الفورية.

​ومع ذلك، يرى العلماء أن الآفاق المدنية لهذا الابتكار أوسع بكثير؛ حيث تُعد هذه المنصة الحية مثالية للأمراض التي تتطلب جرعات صغيرة ومستمرة من العلاج على المدى الطويل، والتي يمثل الالتزام بالحقن المتكررة أو التسريب الوريدي فيها عبئاً على المريض.

​وتأتي أمراض الأمعاء الالتهابية (مثل داء كرون والتهاب القولون التقرحي) وبعض أنواع حساسية الطعام على رأس القائمة المستهدفة مستقبلاً؛ نظراً لأن الدودة تستقر في الأمعاء الدقيقة، مما يضمن تركيز المادة العلاجية مباشرة في القناة الهضمية بكفاءة أعلى مما تفرزه في الدورة الدموية.

​خطوة أولى نحو "برمجة" العلاج الذاتي

​يؤكد الفريق الطبي أن النتائج الحالية – رغم ثوريتها – تمثل خطوة أولى؛ حيث يعمل الباحثون حالياً على تطوير المنصة لزيادة كمية البروتين العلاجي المُفرز، وتطوير استراتيجيات "للاحتواء الحيوي" مثل تعديل الديدان جينياً لتصبح عقيمة (غير قادرة على إنتاج البيض)، لمنع أي احتمالية لانتشارها خارج النطاق العلاجي المحكم.

​واختتمت ميتريفا بالقول: "إننا نفتح باباً جديداً للتفكير الدوائي. بدلاً من تناول المريض لجرعات متكررة من أدوية كيميائية خارجية، يمكننا برمجة كائن حي مضبوط ليصنع العلاج بدقة من داخل الجسم".