آخر تحديث :الخميس-04 يونيو 2026-02:09ص
وثائقيات


همس اليراع ..أنيس حسن يحيى عقلٌ لا ينضب وروحٌ لا تموت

همس اليراع ..أنيس حسن يحيى
عقلٌ لا ينضب وروحٌ لا تموت
الخميس - 04 يونيو 2026 - 01:23 ص بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/د.عيدروس نصر

كان الفقيد المناضل التاريخي الأستاذ أنيس حسن يحيى كثيرًا ما يكرر مداعبًا: “أنا إن شاخ جسدي، فأحمد الله أن عقلي لم تصبه الشيخوخة”. وظلت تلك هي الحقيقة، وإن قيلت على سبيل الدعابة؛ فقد ظل الرجل يقدم أفكاره الخلاقة ونصائحه البنّاءة وتصوراته المبتكرة والواقعية إزاء أعقد القضايا، حتى وهو مقعد على كرسي المرض.

غادرنا بالأمس القريب الأستاذ المناضل أنيس حسن يحيى بعد قرابة تسعة عقود من العطاء والنضال والاستماتة والصبر والانتصار لقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والدولة المدنية.

كان الأستاذ أنيس على الدوام عنوانًا للحكمة والروية والتوازن والعقلانية السياسية، والعمق الفكري والإيمان بقضايا الوطن وأبنائه. كان يتفاءل حتى في قلب المحنة، ويبتسم حتى وهو في قمة الحزن، ويتماسك حينما كانت البصائر تزيغ والعقول ترتبك والمواقف تتذبذب.

أسس الأستاذ المناضل أبو باسل فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في عدن، بمعية رفاقه الشهيد سعيد الخيبة والفقيد نصر ناصر علي، والأستاذ عبد الغني عبد القادر، ونخبة من المثقفين العدنيين، في منتصف خمسينات القرن الماضي. وكان طموح الحرية والاستقلال وبناء الدولة الوطنية هو الديدن المركزي لهؤلاء، ومثّلهم كل القوى والتشكيلات السياسية التحررية في عدن ومحيطها.

كان أبو باسل نصيرًا لثورة التحرر الوطني وداعمًا لها بأفكاره ونضالاته المدنية، ضمن طيف واسع من المفكرين والمثقفين والسياسيين الناشطين والنقابيين في مدينة عدن وضواحيها. وبعد الاستقلال الوطني، وفي مرحلة الحوار السياسي الطويل الذي خاضته الفصائل السياسية اليسارية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، كان الأستاذ بارعًا بأفكاره ومبادراته على طريق التحالف الوطني العريض، الذي سُمّي لاحقًا التنظيم السياسي الموحد – الجبهة القومية، والذي ضم إلى جانب الجبهة كلاً من حزب البعث العربي الاشتراكي الذي صار اسمه حزب الطليعة الشعبية برئاسة فقيدنا الكبير، وحزب اتحاد الشعب الديمقراطي برئاسة المناضل والمفكر الأستاذ عبد الله عبد الرزاق باذيب (عليهما رحمة الله)، وأفرادًا من حزب العمل أو حزب العمال والفلاحين، وكان ذلك في المؤتمر التوحيدي في الخامس من فبراير 1975م.

وطوال فترة وجوده في قمة التنظيم السياسي الموحد ثم الحزب الاشتراكي اليمني، وفي المناصب الوزارية التي تولاها، كان الفقيد أحد الذين ساهموا في تعزيز مداميك الدولة الوطنية الجنوبية الفتية، ومثّل نموذجًا للقائد المبدع والمبتكر والمحبوب بين كل العاملين والموظفين الذين كان يرأسهم ويعمل معهم.

في كل اللقاءات التي جمعتني بالفقيد الكبير والمناضل التاريخي الأستاذ أنيس، بما في ذلك دورات اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي، كان مثالًا للقائد الحكيم، صاحب الفكرة النيرة والعقلية المنفتحة المرنة المتوازنة، المتحررة من العصبية والتشدد والتمترس وراء المواقف المتعنتة. بل كان مستمعًا جيدًا، كما كان متحدثًا جيدًا ومقنعًا في أغلب الأحوال.

كان آخر لقاء يجمعني بالفقيد أبو باسل في فبراير من العام 2023م بمنزله بمدينة القاهرة، في جلسة عشاء أعدتها الأستاذة الرائعة أم الخير، شارك فيها عدد من الضيوف، منهم بعض الرموز السياسية كرئيسيْن علي ناصر محمد وحيدر العطاس، والوزير عبد الملك المخلافي، والمستشار ياسين مكاوي، والإعلامي محمد عمر باحاج، وعدد من الشخصيات الأكاديمية كالدكاترة قاسم المحبشي وسمير الشيباني وصالح الصلاحي، وأحمد قاسم الجحافي، وحيدرة القاضي، والمهندس صلاح العوادي، وآخرون.

الفقيد الأستاذ أنيس حسن يحيى ليس فقط مناضلًا وطنيًا ميدانيًا وقائدًا حزبيًا بارعًا، بل كان مفكرًا سياسيًا ومنظّرًا اقتصاديًا، له العديد من الكتابات والمؤلفات والبحوث في الاقتصاد السياسي والإدارة والتنمية الاقتصادية. وهو حائز على وسام الثورة 14 أكتوبر، أعلى وسام في زمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

بوفاته يودّع الجنوب والجنوبيون واحدًا من أبرز أبنائه الأبرار، نذر عمره من أجل الوطن وأبنائه، وعانى من النزوح الإجباري أكثر مما كسب من الاستقرار في دياره، وفارق الحياة مستأجرًا منزلًا بسيطًا في أحد أحياء العاصمة المصرية.

لكنه يغادرنا اليوم محمّلًا بسجل وافر من العطاء والتراث النضالي والقيم والأخلاقيات النبيلة التي تربى وربّى الأجيال عليها، وكرسها في ممارسته وعلاقاته بمجتمعه ومواطنيه وشعبه ورفاقه وخصومه.

لقد غاب أنيس جسدًا، لكنه لم يغب روحًا وفكرًا ومبادئ وقيمًا.

لروحك السلام والرحمة والخلود في جنات النعيم، أيها المناضل الأبي.

وصادق العزاء والمواساة إلى الأستاذة العزيزة أم الخير، وللعزيز باسل، ولكل الأهل والأحبة، وللشعب والوطن، وللزملاء في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني وقواعده، ولنا جميعًا تلاميذه ومحبيه.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.