كتب/فضل مبارك
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي تزايدت أعمال السطو على التراث والنتاج الثقافي والفني لمحافظة أبين بسبب عدم توثيق هذا التراث وتوصيفه في ظل غياب اهتمام الجهات المختصة بهذا الأمر
حينها ومن منطلق الحس الوطني والحرص على عدم ضياع هذا النتاج الذي تزخر به أبين ويستحوذ عليه الغير ظهرت مبادرة الأخ محمود علي صالح السعيدي الذي حمل على عاتقه مهمة وطنية بالغة الأهمية وهي في الأساس من مهام الجهات الحكومية المحلية لكنها لم تولها أي اهتمام
عمل محمود بمساعدة شقيقيه فيصل السعيدي رحمه الله وعادل السعيدي على بلورة فكرة توثيق وتسجيل التراث الثقافي والفني والغنائي لأبين بجهد شخصي خالص وبأحدث الوسائل التقنية المتاحة في تلك الفترة
حيث قاموا كأول خطوة ببناء صندقة كشك تحت مسمى استيريو الأهرام وسط مدينة جعار وجلبوا إليها مسجلة وأجهزة صوت وتسجيل وعدداً من أشرطة الكاسيت التي كانت تجارتها رائجة آنذاك نظراً لإقبال الناس عليها باعتبارها الوسيلة الوحيدة المتاحة
وشرع محمود وفيصل وعادل في توثيق وتسجيل جميع الحفلات الفنية والأمسيات الثقافية التي كانت تقام في مناطق المحافظة بما فيها حفلات الزواجات المخادر بجهود ذاتية
ومع اتساع الفكرة وتطورها تم تجاوز نطاق الصندقة إلى فضاء أكثر اتساعاً وتنظيماً عبر استئجار محل بما أتاح تطوير العمل وتوسيع نطاقه
ليتطور لاحقاً من مجرد تتبع وتسجيل الحفلات العامة إلى فكرة التسجيل والتوثيق الخاص من خلال الاتفاق مع فناني ومثقفي محافظة أبين حيث كان استيريو الأهرام يقوم بتسجيل أعمالهم الفنية والإبداعية بطرق فنية وتقنية متطورة نسبياً في حينها مع تقديم مردود مالي لصاحب العمل
وقد ذاع صيت استيريو الأهرام كأول وأفضل استيريو في أبين بل وأصبح ينافس استيريوهات عدن ولحج وكانت تسجيلاته عبر أشرطة الكاسيت تلقى رواجاً وإقبالاً كبيراً لما تمتاز به من جودة ونوعية
واللافت في هذا الموضوع والذي نسعى لإبرازه من خلال هذا المنشور أن الإخوة السعيدي حافظوا على هذا الإرث الفني لمحافظة أبين في وقت لا توجد فيه أي جهة أخرى حكومية كانت أو خاصة تمتلك جزءاً من هذا التوثيق الذي بحوزتهم حتى اليوم
وكان الفضل الأول لهذا الاستيريو الذي أسهم بشكل كبير في نشر الأغنية الأبيـنية من خلال إنتاج وتسجيل وتوزيع أشرطة الكاسيت التي أوصلت الفن الأبيـني من المحلية إلى آفاق واسعة أولها دول الخليج العربي
كما أسهم استيريو الأهرام في إبراز العديد من الشعراء والملحنين الذين أصبحت أسماؤهم لامعة وأصبح كبار الفنانين يسعون للتعاون معهم ومنهم علي عمورة وصالح العامري وأحمد ناصر جابر وغيرهم
بالأمس القريب زارنا الأخ والصديق محمود وجلسنا برفقة عدد من الأصدقاء في رحاب المنتدى المجتمعي بزنجبار وكانت فرصة للحديث عن مصير هذه الأعمال التي تم توثيقها خاصة بعد كساد تجارة الكاسيت وإغلاق الاستيريو
وقال إن كل ما تم تسجيله وتوثيقه خلال أكثر من ثلاثين عاماً محفوظ بعناية موضحاً أن لديه أكثر من خمسة آلاف كاسيت تضم أعمالاً فنية وثقافية معظمها لفناني وأدباء أبين
وأضاف أنه خلال أكثر من عشر سنوات ظل يبحث عن جهة تساعده في نقل هذه المواد من أشرطة الكاسيت إلى هاردات رقمية ليتسنى الاستفادة منها وبثها ونشرها خصوصاً أن نظام الكاسيت لم يعد صالحاً في الوقت الحالي
واستكمالاً لهذا الجهد الوطني الرائع وللحس الوطني لدى الإخوة محمود وفيصل وعادل تم الاتفاق مع الأخ محمود على أن يساهم المنتدى المجتمعي وإذاعة هنا أبين في نقل هذه المواد من أشرطة الكاسيت تمهيداً لإعادة بثها ونشرها حفاظاً عليها من الضياع أو أي محاولات سطو على هذا الموروث الأبيـني الأصيل
/فضل مبارك 1يونيو 2026م