تعلقت عينا الأستاذ عادل، ذو الأربعين عامًا، الهزيل القصير، بالأرض، تمشطان شوارع وأزقة بلدته، يبحث فيها عن مبلغ ما في زحمةٍ ألمّت ببلدته مع قرب عيد الأضحى، ليبتاع به بدلتين لطفليه، اللذين انتظرا معه صرف راتب شهر مايو الذي يصادف السابع والعشرين منه أول أيام عيد الأضحى المبارك.
غادر البيت عصر يوم الخميس الماضي، وقد طمأن صغيريه قائلاً: (باستلم المشاهرة بعدين وبا أكسّيكم).
بيد أن الحكومة أجلت الراتب إلى ما بعد العيد.
لم يعد إلى منزله إلا بعد الساعة التاسعة، فوجد طفليه سهرانين في انتظار كسوتهما، فقال لهما: (بكرة إن شاء الله).
بكرة سيستلف، أو سيغافل أصحاب الملابس، ويختلس بدلتين مستغلًا زحمة متاجر الأقمشة في مثل هذه الأيام.
طلب بدلتين بمقاسين مختلفين، ساوم أصحاب المتجر وهو يزفر من شدة الحر، وطلب منهم أن يأتوه بقميص له، وبدأ الارتباك يسيطر عليه وهو يهمّ بسرقة البدلتين، لكنه خشي الفضيحة، فساوم على السعر، وعرض ثمنًا زهيدًا لا يملكه في جيبه.
غادر المتجر وهو يكاد يغمى عليه من شدة الحر ومن شدة الفقر والرهبة، وفجأة إذ برزمة من الأوراق النقدية مرمية أمامه، فالتقطها ودسّها تحت حزامه في ذلك المساء.
لقد فرجت… المبلغ أكثر من مائة ألف ريال يمني. خفق قلبه فرحًا وخوفًا، وتردد قبل أن يقصد متجرًا ليبتاع ملابس لفلذتي كبده.
قصد مقهى وجلس على كرسي وطلب فنجان شاي، وفي تلك الأثناء تناهى إلى سمعه إعلان من مسجد البلدة يقول:
(يا ناس، هنا امرأة أضاعت مبلغًا من المال، وهو ثمن خروف باعه زوجها اليوم ليكسو به أبناءه، من وجده فليسلّمه للمسجد).
اتضح له أن المبلغ الذي وجده هو كسوة أبناء رجل فقير.
فقيرٌ… وأنت يا عادل، ألست فقيرًا؟
ألحّ المسجد عليه: (ارحموا المرأة وأولادها!).
أكمل فنجان الشاي، ولم يدرِ ماذا يفعل: هل يسلم المبلغ لصاحبه أم يكسو به أبناءه ويقضي ما تبقى من حاجاته؟
نهض وهو حائر بين أن يفرح أبناءه أو يعيد البهجة إلى المرأة وأطفالها.
اتجه إلى المسجد، وسلّم المبلغ لصاحبه، ثم توضأ وصلى ركعتين وحمد الله، وهو يسمع الميكروفون يقول:
(الدنيا بخير يا ناس! المربي الفاضل الأستاذ عادل محمد وجد المبلغ وسلمه لصاحبته الآن).
قصة قصيرة -سالم فرتوت
23 مايو 2026م