كتب/د.عيدروس نصر
كنتُ قد قررت التوقف عن تناول هذه القضية، أعني قضية "الجنوب العربي"، لولا إصرار البعض على جعلها قضية الساعة، ومنحها أولوية على كثير من القضايا الوطنية الكبرى والملحّة، العاجلة منها والآجلة. لكنني أعد القرّاء الكرام أنني سأتوقف عن تناول هذه القضية بعد هذا المنشور.
بالأمس تلقيت رسالة صوتية عبر تطبيق "واتساب" من رقم مجهول، ذكر فيها صاحب الرسالة اسمي وأسماء آخرين ممن يقول إننا ضد "الجنوب العربي". وطبعًا، لم تخلُ الرسالة من الاتهام بمخطط "العودة إلى باب اليمن"، وأن هؤلاء، أي أنا وبقية المتهمين، من بقايا الحزب الاشتراكي، وهو اتهام لا ننكره كما يفعل البعض. لكن أطرف ما في الرسالة، وأكثرها جاذبية وتحضرًا وإنسانية، أن صاحبها اختتمها بالقول: "سندعس هؤلاء وكل من يقف ضد الجنوب العربي".
ولأنني اعتدت مثل هذه الاتهامات والتهديدات، فإنني لم أعر الموضوع أي اهتمام. وما استعراضي لهذه الحادثة إلا للإشارة إلى نوع "الثقافة" التي نشأت بعد حالة التجريف الفكري والسياسي والثقافي التي تعرض لها الجنوب منذ عام 1994م. وعمومًا، فإن ثقافة "الدعس" ليست حالة فردية، بل أستطيع الجزم أنني أقرأ وأسمع يوميًا مئات العبارات المشابهة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بعضها يصدر عن أسماء ذات مقامات ومستويات أكاديمية واجتماعية، بل وسياسية معتبرة، ومن مختلف الأطياف والمكونات.
وعلى أي حال، فهذا ليس ما أريد التوقف عنده. فحين تناولت في منشور سابق موضوع "الجنوب العربي"، لم أكن أعبّر عن رأي أو موقف تجاه المشروع الجنوبي، فجميع متابعيّ، ممن اطّلعوا على تصريحاتي ومقابلاتي وكتاباتي ومواقفي منذ مطلع الألفية، يعلمون رأيي في القضية الجنوبية وفي الحق الجنوبي. لكن تحفظي لم يكن على المشروع الجنوبي ذاته، بل كان متعلقًا بأمرين:
الأول: أن اسم الدولة الجنوبية القادمة، التي نؤمن باستعادتها كما نؤمن بشروق شمس الغد، هو من صلاحيات الشعب الجنوبي بأغلبيته المطلقة، وليس من حق أحد أن يقرره نيابة عن الشعب.
أما الأمر الثاني، فهو أن لدى الشعب الجنوبي وقواه السياسية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، عشرات، بل مئات التحديات التي ينبغي أن ينشغل بها الجميع. وأولها تثبيت مشروع التحرير والاستقلال، وثانيها، بالنسبة للمجلس الانتقالي، ترسيخ وجوده أمام محاولات الاستئصال والاجتثاث، وإعادة هيكلته، ومراجعة تجربته، والحرص على بقائه في الواجهة حاملًا لراية المشروع الجنوبي. وبالتوازي مع ذلك، إعادة صياغة منظومة العلاقات مع الأشقاء والأصدقاء على أساس مصالح الشعب الجنوبي، في ضوء المعطيات الجديدة، ومواجهة محاولات إعادة الغزو التي نشهدها هذه الأيام، بمشاركة سلطات الأمر الواقع في الجنوب والجماعة الحوثية على الحدود.
ولن أتحدث هنا عن التحديات الأخرى المرتبطة بمعاناة المواطنين الجنوبيين، من تدهور الخدمات والمعيشة، وغلاء الأسعار، وانهيار العملة، وغياب الدولة، وانتشار جرائم القتل والاختطاف، والمخدرات، وتهريب الممنوعات. فكل هذه تحديات قائمة أمام المجلس الانتقالي اليوم، بعد أن تخلص من ورطة الشراكة، وأصبح كيانًا سياسيًا معارضًا معبرًا عن هذه المعاناة. أما المسميات والأسماء والألقاب، فليست ذات أولوية في هذه اللحظة التاريخية المعقدة والمليئة بالالتباسات.
والحقيقة أنني شاهدت مقابلة متلفزة للأخ الكريم شكري باعلي، الذي أسجل له كل الاحترام والتقدير كأحد الأصوات الجنوبية القوية والمعتبرة، وقد قال فيها إن تسمية "المجلس الانتقالي للجنوب العربي" جاءت من أجل تثبيت الهوية.
ولأن الحديث عن الهوية يطول ويتطلب أكثر من وقفة، وبعد أن تبين لي أن هناك سوء فهم، وربما عدم فهم، لمعنى الهوية، فسأختصر حديثي بما تعرضت له في كتابي "القضية الجنوبية وإشكالية الهوية"، الصادر في القاهرة بطبعتين عامي 2023 و2024م، ليتبين للجميع أن "الجنوب العربي" كمفهوم جغرافي، وحتى "اتحاد الجنوب العربي" كبنية سياسية، لم يكونا ذوي هوية واحدة، نظرًا لتعدد الكيانات السياسية والجغرافية والهويات المناطقية الداخلة في البنيتين، حين كان الجنوب خاضعًا للاستعمار الأجنبي.
نحن نقول هذا ليس عداءً ولا حبًا تجاه أي مفهوم، وإنما تعريفًا بما تقوله علوم السياسة والاجتماع والتاريخ. فالهوية الجنوبية لم تولد إلا مع ولادة الدولة الجنوبية عام 1967م، بغض النظر عن رضى البعض أو عدم رضاهم عن سياسات تلك الدولة.
ومن نافل القول إن الهوية، كمفهوم سياسي وسوسيولوجي، مثلها مثل أي كائن حي، تولد وتنمو وتزدهر وتتسع وتترسخ، وقد تذوي وتضعف وتضمحل وتشيخ وتموت، تمامًا كما يحدث للكائنات الحية الأخرى. فالهوية ليست معطى ثابتًا إلى الأبد، بل ظاهرة سياسية اجتماعية قابلة للتطور والتغير والتبدل والاتساع والتضيق.
غير أن الحديث في هذا الأمر يطول، ويمكن لمن أراد التوسع العودة إلى كتابي المشار إليه، والاطلاع على مفهوم "الهوية" في كتابات علم الاجتماع السياسي. لكن، باختصار شديد، نحن نقول إن الهوية لا تولد في يوم وليلة، ولا تُصنع بقرار إداري أو إجراء سياسي، وإنما تنشأ عبر تنمية عناصر الانتماء والشراكة الشاملة في الأرض والمصالح والتاريخ والجغرافيا والثقافة، والشعور بالأمان لدى جميع أبنائها.
وعودة إلى موضوع المسميات، أكرر: لسنا ضد هذا المسمى أو ذاك، ولا نتعصب لهذا الاسم أو ذاك، لكن اسم الدولة الجنوبية المستقبلية يجب أن يكون حصيلة استفتاء شعبي عام وشامل يشارك فيه كل أبناء الشعب الجنوبي، ولن يتحقق ذلك إلا بعد استعادة الدولة الجنوبية بحدودها التاريخية المعروفة حتى 21 مايو 1990م.
ولهذا نقول:
لا تضعوا العربة أمام الحصان!