أبين / عوض آدم
لم ينتظر محافظ أبين، الدكتور مختار الخضر الرباش الهيثمي، التقارير المكتبية ولا لجان الوساطة، بل حمل روح الدولة ونزل بنفسه إلى الميدان. ما جرى صباح الأربعاء قرب حسان لم يكن مجرد حملة أمنية، بل إعلان عملي بأن زمن التهاون مع الفوضى قد ولّى، وأن سلطة الدولة حين تقرر، فإنها تفرض حضورها.
حين تتقدم القيادة الصفوف
لسنوات، اعتاد المواطن في أبين أن يسمع عن التقطّعات كقدر لا مفر منه؛ نقاط مسلحة تظهر، تعطل الحياة، تفرض الإتاوات، ثم تنتهي بـ“صلح قبلي” يعيد المسلح إلى منزله بلا حساب. هذه الدائرة المفرغة كسرها المحافظ الرباش بقرار شجاع: المواجهة المباشرة من الميدان.
الدلالة الأولى لهذا التحرك أن أبين اليوم تمتلك قيادة لا تختبئ خلف المكاتب. الرباش قاد القوة بنفسه، وتعرض أحد أفراد حراسته للإصابة، ليؤكد أن ثمن استعادة الأمن يُدفع من القيادة قبل الجنود. رسالة تعيد تعريف العلاقة بين المسؤول والمواطن: الحاكم في خدمة أمن الناس، لا متفرجًا على معاناتهم.
الدلالة الثانية أن الدولة في أبين لم تعد شعارًا. الطريق الدولي الذي يربط العاصمة زنجبار بمحيطها شريان حياة، وإغلاقه يمس لقمة العيش قبل السياسة. التحرك السريع، وبسط السيطرة خلال ساعات، واعتقال جميع المتورطين، أعاد الاعتبار لهيبة القانون. لم تعد النقاط العشوائية “أمرًا واقعًا”، بل جريمة يعاقب عليها القانون.
الدلالة الثالثة أن أبين ترفض أن تبقى ساحة مستباحة. المحافظة التي دفعت كلفة باهظة من الإرهاب والصراعات تثبت اليوم قدرتها على فرض الأمن بقرار محلي حازم. الرباش لم ينتظر دعمًا خارجيًا، بل وظّف الإمكانات المتاحة، مؤكدًا أن أبناء أبين هم من سيحمون محافظتهم.
لماذا هذا التحرك مختلف؟
أولًا: حسم بلا مساومة. لم تُقبل أي وساطة أو تفاوض مع المسلحين؛ اشتباك، ثم اعتقال، ثم إحالة إلى النيابة. هذه هي اللغة التي يفرضها القانون على الخارجين عنه، وهي ما افتقده المواطن طويلًا.
ثانيًا: قيادة بالقدوة. حين يتقدم المحافظ الصفوف، يسقط أي عذر للتقاعس. الرباش وضع معيارًا جديدًا للمسؤولية: الميدان هو الفيصل، لا التقارير.
ثالثًا: استعادة ثقة الشارع. الارتياح الشعبي لم يكن وليد الصدفة؛ المواطن رأى دولته تتحرك لأجله، ورأى المسؤول يخاطر لفتح الطريق. هذه هي استعادة الثقة الحقيقية بين السلطة والمجتمع.
قد يرى البعض أن التقطّعات لها جذور اقتصادية، وهذا صحيح جزئيًا، لكن الحزم الأمني يظل الخطوة الأولى لأي معالجة. فلا تنمية تحت تهديد السلاح، ولا استثمار في بيئة يهيمن عليها قطاع الطرق. ما قام به الرباش هو وضع الأساس: فرض الأمن أولًا، ثم البناء عليه.
الاستنتاج: أبين تكتب قواعد جديدة
ما حدث في حسان ليس نهاية المعركة، بل بداية صحيحة. الفارق اليوم أن أبين تمتلك قيادة بالإرادة والشجاعة. الدكتور مختار الرباش أثبت أن هيبة الدولة لا تُستعاد بالبيانات، بل بالفعل في الميدان.
المطلوب الآن استثمار هذا الزخم عبر تثبيت نقاط أمنية دائمة، وتعزيز دور القضاء للفصل في قضايا المعتقلين، وتوفير الإمكانات لرجال الأمن لضمان استمرارية الإنجاز.
الرسالة وصلت: في أبين، الدولة عادت. ومن يختبر صبرها، سيجدها حاضرة في الميدان. زمن التقطّع يتراجع، وزمن القانون يبدأ. وهذا ما انتظرته أبين طويلًا.