كتب/أ.د محمد علي مارم
في زمن الأزمات، لا تُبنى الدول بما تملكه من موارد بقدر ما تُبنى بما تملكه من إرادة، رؤية، وقدرة على تحويل المعاناة إلى نقطة انطلاق نحو الاستقرار. واليمن، وهو يرزح تحت وطأة حربٍ ممتدة منذ أكثر من أحد عشر عاماً، يقدم مثالاً صارخاً على أن غياب بناء المؤسسات لا يقل خطورة عن غياب الأمن، بل قد يكون السبب الجذري في استمرار الانهيار.
لقد دخل اليمن في نفقٍ معتم منذ انقلاب الحوثي المدعوم خارجياً، وهو انقلاب لم يقتصر أثره على الداخل اليمني، بل تمددت تداعياته لتطال الإقليم والعالم، مع تشابك المصالح وتكاثر المليشيات وتعدد مراكز النفوذ. وفي خضم هذا المشهد المعقد، دفع الإنسان اليمني الثمن الأكبر؛ أمناً، ومعيشة، وكرامة.
ورغم التحذيرات المبكرة التي أطلقها قادة اليمن من خطورة ترك هذا الانقلاب يتمدد دون حسم، إلا أن المجتمع الدولي تعامل مع الأزمة بقدرٍ من التردد والازدواجية، معلناً دعمه لشرعية الدولة من جهة، ومتغاضياً عن أدوات تمكينها الفعلية من جهة أخرى. وهكذا، وجدت الحكومة الشرعية نفسها، على مدار سنوات وتعاقب ستة رؤساء حكومات، تدور في حلقة مفرغة، عاجزة عن تحديد أولويات واضحة أو رسم مسار حاسم للخروج من الأزمة.
غير أن التجارب الدولية، وما طرحه كبار المفكرين وصناع القرار، تؤكد أن بناء الدول في أوقات الأزمات لا يبدأ من ضخ الأموال، بل من ترسيخ المؤسسات.
فالدولة التي تفتقر إلى منظومة قانونية راسخة، وأجهزة رقابية فعالة، وإدارة كفؤة، لن تستطيع تحويل أي دعم مالي إلى إنجاز حقيقي، بل يتحول هذا الدعم ، في غياب الحوكمة ، إلى ما يشبه “الثقوب السوداء” التي تبتلع الموارد وتعيد إنتاج الفساد والمحسوبية.
وفي اليمن، لم تكن المشكلة يوماً في شُحّ الموارد فقط، بل في كيفية توجيه المتاح منها. فقد مرت على البلاد موجات من الدعم والمساعدات، لكنها لم تُترجم إلى استقرار مستدام، لأن الأساس ، وهو بناء مؤسسات الدولة ،
ظل هشاً. وعندما يختل هذا الأساس، يتغلغل الخلل في كل مفاصل الدولة، حتى يصبح الإصلاح أكثر تعقيداً وكلفة.
أما المواطن اليمني اليوم، فقد أنهكته الحرب حتى باتت مطالبه في غاية البساطة ، خدمة أساسية، راتب منتظم، أمنٌ نسبي، وكرامة مصونة. لكنه، مع الأسف، لم يجد حكومة تستوعب هذه الأولويات بوضوح، بل تعددت التبريرات وتباينت الرؤى، في وقتٍ كان يفترض فيه توحيد الجهود حول الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها.
وقد استوقفني مؤخراً عنوانٌ في صحيفة بريطانية، حيث نقلت كلمة لرئيس الوزراء أكد فيها أن الرعاية الاجتماعية ستكون الوجهة الأولى، حتى قبل الأمن القومي. لم تكن العبارة عابرة، بل كانت كاشفة، فالدول التي رسخت أركانها لا تزال ترى أن الإنسان هو نقطة البداية والنهاية، وأن استقراره هو الضمان الحقيقي لاستقرار الدولة.
ومن هنا، فإن الطريق إلى استقرار اليمن، خصوصاً في المناطق المحررة، لا يمر عبر انتظار مليارات الدعم، بل عبر قرار وطني صادق بإعادة بناء مؤسسات الدولة،،مؤسسات قانونية عادلة، أجهزة رقابية صارمة، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة لا الولاء. هذه هي الحلقة المفصلية التي إن اكتملت، تحوّل القليل إلى كثير، وجعلت من الممكن تحقيق الاستقرار بالإمكانات المتاحة.
إن بناء الدولة ليس مشروعاً مالياً بقدر ما هو مشروع أخلاقي وإداري. وعندما تصفو النوايا، وتُحسم الأولويات، ويُعاد الاعتبار للإنسان كغاية أولى، يمكن لليمن أن يخرج من هذا النفق، لا بمعجزة خارجية، بل بإرادة داخلية تعيد للدولة معناها، وللمواطن مكانته، وللمستقبل ملامحه.
أ. د. محمد علي مارم
أستاذ الاقتصاد والعلوم المالية والمصرفية.