عدن - نائلة هاشم
الفساد هو السوق الخفي الذي ينهش أوطاننا ويدفعها نحو الانهيار، ولا سبيل لمواجهته إلا بإحياء دور الرقابة الصارمة وتطبيق مبدأ المحاسبة دون تهاون. فالقضية لا تحتاج إلى شعارات أو خطط مركونة على الرفوف، بل إلى يقظة ضمير وإرادة حازمة تجتث كل فاسد عاث في الأرض خرابا.
ولن يكون الخروج من هذا النفق المظلم إلا حين يتحول الوعي إلى فعل، والصمت إلى موقف، والخوف إلى شجاعة في قول الحق. حين يدرك الجميع أن التغيير مسؤولية مشتركة، وأن السكوت عن الفساد شراكة غير معلنة في استمراره. عندها فقط يمكن أن تبدأ ملامح الخلاص، وتفتح أبواب الأمل نحو مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.
إن بناء دولة قوية لا يقوم على الخطابات الرنانة، بل على مؤسسات فاعلة تدار بالكفاءة والنزاهة، وعلى قوانين تطبق على الجميع دون استثناء. فحين تغيب العدالة، يتسع هامش الفساد، وحين تهمّش الكفاءات، تفتح الأبواب أمام الانتهازيين. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للقانون، وتمكين الأجهزة الرقابية، وضمان استقلالها بعيدًا عن أي نفوذ أو تدخل.
كما أن للإعلام دورا محوريا في كشف مواطن الخلل وفضح ممارسات الفساد، لا باعتباره أداة للتشهير، بل كسلطة رقابية تسهم في حماية المجتمع وصون مقدراته. ويقع على عاتق النخب والمثقفين مسؤولية رفع مستوى الوعي، وتحفيز المجتمع على رفض الفساد وعدم التعايش معه كأمر واقع.
ولا يمكن إغفال دور المواطن، الذي يعد خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الآفة، من خلال الالتزام بالقيم، ورفض الرشوة، والإبلاغ عن أي تجاوزات، مهما بدت بسيطة. فالتغيير لا يفرض من الأعلى فقط، بل يبنى أيضا من القاعدة، حين تتشكل قناعة عامة بأن الفساد خطر يهدد الجميع دون استثناء.
إن الخروج من عنق الزجاجة ليس حلما مستحيلا، بل مسارا يتطلب إرادة صادقة، وتكاتفا حقيقيا، وإيمانا بأن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أبنائها الشرفاء. وعندما تتوفر هذه المعادلة، يصبح الأمل واقعا، ويتحول الألم إلى بداية طريق نحو مستقبل يستحقه الجميع.