كتب: أكرم العلوي
في لحظات التحول التي تمر بها الجيوش والمؤسسات العسكرية، يصبح اختيار القيادة هو الحد الفاصل بين الثبات والتقهقر، وبين البناء والانهيار. وجاء قرار تعيين القائد البريكي قائداً للواء ليمثل نموذجاً للقرار المدروس الذي يلامس جوهر الحاجة الميدانية والإدارية في آنٍ واحد.
القائد البريكي ليس اسماً طارئاً على المشهد العسكري، فرصيده الميداني حافل بالمواقف التي صقلت خبرته، بدءاً من عمله في أصعب الجبهات، ومروراً بقيادته لوحدات قتالية حققت انضباطاً وتقدماً تكتيكياً مشهوداً. من يعرف الميدان يدرك أن القيادة لا تُمنح بالرتب فقط، بل تُنتزع بالقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وبالتواجد في المقدمة حين يتراجع غيرك. وهذا ما ميّز البريكي: حضور في الميدان، وقراءة دقيقة للمتغيرات، وجرأة محسوبة لا تهور فيها.
اللواء ليس أفراداً وسلاحاً فحسب، بل منظومة تحتاج إلى إعادة هيكلة وضبط وانضباط. وقد عُرف عن البريكي اهتمامه بالتفاصيل التي تصنع الفارق: تدريب الأفراد، رفع الجاهزية القتالية، مكافحة العشوائية، وترسيخ مفهوم “الجندية المحترفة”. إن تعيينه يعني ضخ روح جديدة في جسد اللواء، وتحويله من تشكيل تقليدي إلى وحدة متماسكة تعمل بمعايير واضحة وتسلسل قيادي صارم.
القائد الناجح هو من يكسب ثقة جنوده قبل خصومه، والبريكي يحظى باحترام المقاتلين لأنه واحد منهم؛ يأكل مما يأكلون ويبيت حيث يبيتون. هذه العلاقة الأفقية تخلق ولاءً قائماً على الاقتناع لا على الأمر فقط. وفي الاتجاه الآخر، يمنح تعيينه رسالة طمأنة للقيادة العليا بأن اللواء أصبح في يد أمينة، قادرة على تنفيذ المهام دون تردد، وتنفيذ الخطط الاستراتيجية دون اجتهادات قد تضر أكثر مما تنفع.
جاء التعيين في توقيت مفصلي؛ فالتحديات الميدانية تتطلب حزماً، والوضع التنظيمي يحتاج إلى إصلاح، والمرحلة تفرض وجود قيادات ميدانية ثابتة لا تتأثر بالأمواج العابرة. اختيار البريكي هنا لم يكن ترفاً إدارياً، بل ضرورة فرضها الواقع، إذ يجمع بين صلابة المقاتل وعقلية الإداري، وبين الانضباط العسكري والمرونة التكتيكية.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن؛ فاللواء مقبل على مرحلة إعادة تأهيل شامل تشمل رفع الكفاءة القتالية، وضبط التسليح والمخازن، وتفعيل العمليات المشتركة، وبناء عقيدة قتالية موحدة. والرهان أن البريكي يملك الأدوات والخبرة لقيادة هذا التحول. فالقيادة ليست منصباً للوجاهة، بل مسؤولية ثقيلة لا يقوى عليها إلا من خبر الميدان وأدرك قيمة الدم والتراب.
إن تعيين القائد البريكي قائداً للواء لم يكن قراراً عابراً ولا مجاملة، بل اختياراً أصاب عمق الصواب؛ لأنه جمع بين ما يحتاجه الميدان من شجاعة، وما تحتاجه المؤسسة من انضباط، وما تتطلبه المرحلة من حزم. وبهذا المزج يصبح اللواء أكثر جاهزية، وأكثر قدرة على أداء دوره الوطني في حماية الأرض والإنسان.