في حياتنا اليومية، تبدأ كثير من السلوكيات صغيرة، وقد لا نلقي لها بالًا، لكنها مع مرور الوقت تتحول إلى عادات يصعب تغييرها. وقد عبّر الموروث الشعبي بحكمة بليغة عن ذلك حين قال: (الذي لا يفكّر بها وهي ما تزال نسمة، سيجد نفسه يومًا يدحرجها كالصخرة الصلبة)، في إشارة إلى أن ما نستهين به اليوم قد يكبر غدًا ويصبح أمرًا يصعب السيطرة عليه.
في واقعنا، نلاحظ بعض الممارسات التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مع التكرار تصبح مألوفة، وربما تؤثر بشكل غير مباشر على النظام العام وحياة الناس؛ مثل رمي المخلفات في غير أماكنها، أو التهاون في الالتزام ببعض الأنظمة، أو التعامل مع الممتلكات العامة دون مراعاة كافية. هذه التصرفات لا تصدر بالضرورة عن سوء نية، لكنها نتيجة الاعتياد أو غياب الانتباه لأثرها التراكمي.
القوانين واللوائح وُجدت لتنظيم حياتنا وتسهيلها، لا لتقييدنا. وعندما نلتزم بها، فإننا نحمي أنفسنا ونحافظ على حقوق الآخرين. أما إذا تعاملنا معها بشيء من التساهل، فقد نفتح الباب لانتشار سلوكيات يصعب ضبطها لاحقًا.
وفي القطاع الزراعي، على سبيل المثال، فإن بعض الممارسات غير المنظمة — مثل التوسع غير المدروس في فتح قنوات ري جديدة، أو الاستخدام غير المنظم للمياه، أو السيطرة على مياه السيول وحرمان الآخرين من ري أراضيهم — كل هذه الأمور قد تؤدي إلى آثار تتجاوز الفرد لتشمل المجتمع بأكمله، من حيث كفاءة توزيع المياه واستدامة الموارد.
الأمر لا يتعلق باللوم أو تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، بل هو دعوة هادئة لمراجعة بعض السلوكيات اليومية، وتعزيز ثقافة الالتزام بما فيه مصلحة الجميع. فالتغيير الحقيقي يبدأ بخطوات بسيطة، وبوعي فردي يتطور إلى سلوك جماعي إيجابي.
إن بناء مجتمع منظم ومتوازن لا يحتاج إلى جهود كبيرة بقدر ما يحتاج إلى استمرارية في السلوك الصحيح، وحرص على عدم تحويل الأخطاء الصغيرة إلى عادات متجذّرة.
القوانين والأنظمة المكتوبة، وحتى الأعراف، واضحة للجميع، وعلينا احترامها والالتزام بتنفيذها، فإذا تحقق ذلك، فلن تبقى لدينا أي مشكلة.
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين – 1 أبريل 2026م