لا تزال أكبر مشكلة تواجه الجنوبيين منذ عقود تتمثل في تلك الثقافة التي رسّخت شيطنة كل مختلف، وتخوين كل صوت لا ينسجم مع الآخر، حتى وإن كان الجميع يرفع الشعار ذاته ويؤمن بالهدف نفسه. ولم تعد هذه الظاهرة مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحوّلت إلى حالة بنيوية أثّرت بعمق في مسار اللحمة الجنوبية والقضية الجنوبية، وخلقت شرخًا مستمرًا، سواء أكان بين المكونات والقوى السياسية، أم داخل المكون ذاته؛ من صراعات الجبهة القومية، ثم الحزب، وكذلك مكونات الحراك الجنوبي السلمي، وصولًا إلى المجلس الانتقالي.
إن اختزال الوطنية في فريق واحد، ونزعها عمّن سواه، كارثة سياسية وفكرية رافقت الجنوب منذ ما بعد الاستقلال، ويبدو — للأسف — أنها لا تزال مستمرة حتى اليوم. هذه الذهنية لم تنتج إلا مزيدًا من التمزق، ولم تُثمر سوى إضعاف المشروع الوطني الجنوبي في لحظات كان يفترض أن يكون فيها أكثر تماسُكًا ووحدةً وقوة.
والحقيقة أن العقلية ذاتها التي مزّقت الجنوبيين في الماضي هي التي تُضعفهم اليوم. فكيف يمكن لثقافة تُفرّق أن تبني؟ وكيف يمكن لعقلية وسياسات كانت سببًا في ضياع الجنوب أن تكون قادرة على استعادته؟
إن الجنوب اليوم أحوج ما يكون إلى ثقافة جديدة؛ ثقافة تُعلي من قيمة الاختلاف، وترى فيه مصدر قوة لا سببًا للخصومة والتمزق. وهو بحاجة إلى سياسة جديدة وعقول قادرة على جمع الجنوبيين لا تمزيقهم، وعلى بناء مشروع وطني شامل يتسع للجميع دون استثناء.
إن استعادة الجنوب ليست مجرد شعار يُرفَع، بل مشروع يتطلب وعيًا جديدًا، ورؤيةً تُطمئن الجميع، تتجاوز أخطاء الماضي، وعقليةً تتخلص من إرث التخوين والإقصاء. فلا يمكن أن يُبنى وطن بثقافة تهدم، ولا أن تقوم للجنوب قائمة بعقلية كانت سببًا في أزماته القديمة والحديثة.
وحدها الثقافة والعقلية التي توحّد الجنوبيين هي القادرة على حماية الجنوب وبنائه واستعادته.
عميد صالح قحطان المحرمي
4 مارس 2026م