تُعد شجرة السيسبان، أو ما يُعرف بالمسكيت، من أخطر النباتات الغازية التي اجتاحت العديد من المناطق الزراعية، وعلى رأسها محافظة أبين، حيث تحولت خلال السنوات الأخيرة من شجرة نافعة في بعض البيئات الجافة إلى تهديد حقيقي للزراعة والبيئة والمجتمع الريفي.
أولاً… كيف تحولت إلى مشكلة خطيرة؟
في الأصل، أُدخلت هذه الشجرة بهدف مكافحة التصحر وتثبيت التربة والرمال المتحركة في المناطق الساحلية، لكنها تكاثرت بشكل عشوائي وخرجت عن السيطرة، مستفيدة من قدرتها العالية على:
تحمل الجفاف والملوحة
النمو السريع
إنتاج بذور بكميات كبيرة تنتشر عبر الرياح والمياه والحيوانات
ومع غياب الإدارة والسيطرة، بدأت بالزحف على الأراضي الزراعية وقنوات الري بشكل مخيف.
ثانياً… التأثيرات السلبية على الزراعة والبيئة
1. إغلاق قنوات الري ومجاري السيول
امتدت جذور وأغصان المسكيت داخل قنوات الري، مما أدى إلى:
إعاقة تدفق مياه السيول إلى المزارع
تغيير مسارات السيول الطبيعية
توجيه المياه إلى مناطق غير مستهدفة
2. تدمير الأراضي الزراعية
تعمل هذه الشجرة على:
امتصاص كميات كبيرة من المياه الجوفية
انخفاض مستوى الماء الأرضي في الأراضي الزراعية، مما أدى إلى ضعف إنتاجية الفول السوداني
منافسة المحاصيل على العناصر الغذائية
إفراز مواد تعيق نمو النباتات الأخرى
3. بيئة خصبة للآفات الزراعية
أصبحت مأوى لآفات مثل:
الذبابة البيضاء، الجاسيد، وغيرها من الآفات، وقد وصفتها في موضوع سابق بأنها تمثل فندق خمس نجوم لجميع الآفات الحشرية، إضافة إلى الزواحف بمختلف أنواعها.
4. تهديد الثروة الحيوانية والإنسان
تشكّل بيئة مناسبة لانتشار الزواحف والحيوانات الضارة، وتعيق حركة الرعاة والمزارعين.
5. إغلاق الطرق العامة والخاصة
أدى زحفها إلى صعوبة الوصول إلى المزارع وتعطيل الحركة.
ثالثاً… قصة من الواقع ومعاناة الرعاة مع المسكيت
يروي أحد الرعاة في دلتا أبين قصة مؤلمة تكشف حجم الخطر الحقيقي لهذه الشجرة؛ إذ اعتاد أن يرعى مواشيه في مناطق كانت مفتوحة وسهلة الحركة قبل أن تزحف إليها أشجار المسكيت بكثافة.
في أحد الأيام دخلت مجموعة من أغنامه بين الأشجار الكثيفة المتشابكة، ولم تستطع الخروج بسبب الأشواك الحادة والأغصان المتداخلة. حاول الراعي إخراجها، لكنه واجه صعوبة كبيرة بسبب كثافة الأشجار وخطورة الدخول بينها.
وبعد معاناة، خرجت بعض المواشي وهي في حالة سيئة، وقد تعرضت إناثها لإصابات مؤلمة نتيجة احتكاك ضروعها بالأشواك الحادة، مما أدى إلى جروح عميقة وتقطّع في الضروع. وكان المشهد مؤلمًا حين لاحظ الراعي خروج اللبن من الضروع المصابة، في دليل واضح على حجم الضرر.
هذه الحادثة لم تكن الوحيدة، بل تكررت، وتسببت في خسارته عددًا من مواشيه، إما بسبب الإصابة أو العجز عن الإنتاج، وهو ما شكّل ضربة قاسية لمصدر رزقه.
رابعاً… لماذا يصعب التخلص منها؟
جذور عميقة جدًا
سرعة إعادة النمو بعد القطع
بذور تبقى حية لسنوات
تحتاج إلى جهود جماعية وليس فردية
خامساً… الحلول والمعالجات المقترحة
المكافحة الميكانيكية المنظمة
اقتلاع الأشجار من الجذور وتنظيف قنوات الري بشكل دوري.
المكافحة الكيميائية المدروسة
استخدام مبيدات مخصصة تحت إشراف فني.
الاستفادة الاقتصادية منها
تحويلها إلى فحم أو حطب لتقليل انتشارها.
تدخل حكومي ودعم المنظمات
لتنفيذ مشاريع استئصال وتوفير الدعم للمزارعين.
رسالة أخيرة
ما يحدث اليوم ليس مجرد انتشار نبات، بل تهديد حقيقي للزراعة والثروة الحيوانية في أبين. وإذا لم يتم التحرك الجاد، فإن الخسائر ستتضاعف.
والذين لا يصدقون حجم الضرر الذي تسببه شجرة المسكيت على الإنتاج الحيواني، فعليهم النظر شمال وجنوب جسر الصين في محافظة أبين، حيث يمر وادي بنا وسط كثافة كبيرة من أشجار المسكيت.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
27 فبراير 2026م