آخر تحديث :الخميس-05 مارس 2026-02:40ص
أخبار وتقارير


خمسة أيام في عمّان… حين يلتقي البرد بالدفء

خمسة أيام في عمّان… حين يلتقي البرد بالدفء
الخميس - 12 فبراير 2026 - 07:57 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

خمسة أيام في عمّان… كانت كافية لتصنع في القلب حكاية، وفي الذاكرة أثرًا لا يُمحى.

منذ اللحظة الأولى، كان البرد سيّد المشهد؛ بردٌ أردنيّ صادق، يتسلل إلى نخاع العظام، ويختبر قدرتك على الاحتمال. لكن ما كان أقسى من الطقس، كان أجمل في المعنى، فقد اكتشفنا أن دفء الإنسان يمكن أن يهزم قساوة الشتاء.

جئنا إلى عمّان في رحلة علمٍ وتعلّم، برفقة الدكتور إدوار أديجر، الخبير الألماني في صناعة آلات الأعلاف، رجل يحمل في تفاصيل حديثه دقة الصناعة الأوروبية، وفي شغفه احترامًا عميقًا للزراعة بوصفها أساس الحياة. كنا نستمع إليه وهو يشرح كيف تتحول بقايا النباتات الجافة والخضراء إلى قيمة مضافة، وكيف يمكن لآلةٍ صغيرة أن تختصر وقتًا طويلًا وجهدًا شاقًا وخسائر متراكمة.

في معامل تصنيع الجراشات ومكابس الأعلاف، لم تكن الزيارة مجرد جولة مهنية، بل كانت لحظة تأمل في معنى التطور. رأيت كيف تُصنع الآلة بعناية، وكيف تُختبر بدقة، وكيف يمكن لها أن تحفظ الأعلاف من الفقد، وتحافظ على قيمتها الغذائية، وتزيد إنتاج الحليب، وتحسن تسمين المواشي. هناك، بين الحديد الدافئ وصوت الماكينات، شعرت أن الأمن الغذائي ليس شعارًا… بل صناعة تبدأ بفكرة وتنتهي برغيف وقطعة لبن وكأس حليب.

التدريب العملي كان مختلفًا؛ لم نكن متفرجين، بل مشاركين. فككنا أجزاء، أعدنا تركيبها، تعلمنا أسرار الصيانة، واكتشفنا أن امتلاك المعرفة لا يقل أهمية عن امتلاك الآلة نفسها. تمنيت في تلك اللحظات أن يمتلك كل راعٍ في بلادي مثل هذه الأدوات، وأن تصبح التقنية جزءًا من يوميات المزارع، لا رفاهية بعيدة المنال.

كانت المحاضرات حوارات مفتوحة أكثر منها دروسًا تقليدية. مداخلات المتدربين عكست شغفًا حقيقيًا بالتغيير، وإيمانًا بأن الطريق نحو الأمن الغذائي يبدأ بخطوة، ثم فكرة، ثم إرادة. وبين حديثٍ وآخر، كنت أستحضر دلتا أبين، وأتخيل كيف يمكن لهذه الخبرات أن تجد طريقها إلى حقولنا ومزارعنا.

وخارج أوقات التدريب… كان لعمّان وجهٌ آخر.

مدينة تتكئ على تلالها بثقة، بيوتها البيضاء تتدرج كأنها سلمٌ يصعد نحو السماء. في وسط البلد، الحياة نابضة بكل تفاصيلها؛ الباعة ينادون، ورائحة القهوة العربية تعبق في الأزقة، والناس يمضون بخطى سريعة، وكأن لكلٍّ منهم قصة لا تُروى.

مشيت بين المحال القديمة، تأملت الوجوه، واستمتعت باللهجة الأردنية الدافئة رغم البرد. شعرت أن المدن لا تُعرف من شوارعها فقط، بل من ناسها.

ثم كانت جرش…

هناك، حيث تقف الأعمدة الرومانية شامخة منذ آلاف السنين، شعرت بصغر الإنسان أمام عظمة التاريخ. حجارة صامتة، لكنها تتحدث لمن ينصت. مشيت في ساحاتها، ورفعت بصري إلى السماء المفتوحة فوق المدرج الروماني، وتساءلت: كم من حضارة مرت من هنا؟ وكم من قصة ما زالت تختبئ بين الشقوق؟

زرنا مواقع أخرى في المملكة الأردنية الهاشمية، وكل مكان كان يضيف سطرًا جديدًا في يوميات الرحلة. بين العلم والسياحة، بين العمل والاكتشاف، تشكلت تجربة متكاملة؛ عقلٌ يتعلم، وقلبٌ يتأمل.

خمسة أيام…

بردها كان قاسيًا، لكن دفئها الإنساني كان أعمق.

كانت رحلة قصيرة في الزمن، لكنها طويلة في الأثر.

عدت منها محمّلًا بالأفكار، وبإيمان أكبر أن الزراعة ليست مهنة فقط، بل رسالة. وأن التقنية حين تُحسن إدارتها، يمكن أن تكون جسرًا بين المعاناة والاكتفاء، بين الفاقد والوفرة.

أما عمّان… فستبقى في الذاكرة مدينةً بيضاء على التلال، علّمتني أن أجمل الرحلات هي تلك التي تجمع بين المعرفة والجمال، وبين البرد الخارجي والدفء الداخلي.

عبدالقادر السميطي

الأردن، عمّان – الخميس 12/فبراير/26م