كتب/د.عيدروس نصر
في هذه الأجواء الملتبسة والمؤسفة والمؤلمة بطبيعة الحال، كان ينبغي علينا أن نتحدث بالعناوين الكبرى، وهي قضايا الوطن، وإعادة الإعمار، وإنقاذ المواطنين من المجاعة، ناهيك عن قضايا المستقبل، والتنمية، والنهوض العلمي والتكنولوجي. لكن الله ابتلانا بقيادات ليس في قاموسها هذه المفردات، وحتى قاموس الوطن يستثمرون فيه لتكديس مزيد من الأموال والمكاسب المادية التافهة، في بلادٍ أكثر من نصف سكانها يقعون تحت خط الفقر.
وحتى المكاسب السياسية التي يسعون لتحقيقها هي مجرد مكاسب غير وطنية، وإنما انتهازية سياسية، إما لتصفية حسابات مع خصم سياسي، أو لتعزيز مزيد من النفوذ والتسلط السياسيين.
وأنا هنا أتحدث عن ثنائية عدن ورئيس الجنوب رشاد العليمي. نعم… إنه رئيس الجنوب، وحينما أقول رئيس الجنوب فأنا أعني ما أقول، لأنه لم يعد لدى العليمي مديريات يحكمها، لا في مأرب ولا في تعز ولا في الساحل الغربي، غير الجنوب، دعك من خمس عشرة محافظة شمالية، بما فيها محافظته ومديريته وقريته، الواقعة تحت هيمنة الحوثيين.
فالسؤال موجَّه للأشقاء في السعودية ودول الخليج، أصحاب المبادرة الخليجية والتحالف العربي:
هل ما زلتم تعتقدون أن هذا الرجل يمتلك 1% من الأهلية ليدير شعباً تعداد سكانه ستة ملايين نسمة، على أرضٍ مساحتها أكثر من 370 ألف كيلومتر مربع، بعد أن ارتكب ما ارتكب من الجرائم على مدى ثلاثة عقود في حق هذا الشعب، واختتمها بجرائم سياسات التجويع وحرب الخدمات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، منذ خطيئة تنصيبه في موقعه الراهن؟
وجاءت جريمة فصل قائدين جنوبيين شريفين من عضوية مجلس القيادة واتهامهما بالخيانة الوطنية، وهي جريمة قانونية ودستورية مكتملة الأركان، لأن من غير صلاحياته التعيين أو الفصل من عضوية مجلس القيادة. فرئيس المجلس مهمته فقط إدارة اجتماعات المجلس، أما القرارات المختلفة، بما فيها الفصل والتعيين حتى للموظفين الصغار والمتوسطين (وليس القادة المحترمين الذين هم وظيفياً في نفس مرتبته، وإن تميزوا عنه بالشرف والنزاهة والنجاح في مهامهم الوطنية)، فإن تلك القرارات تُتخذ بالإجماع أو بالتوافق.
وبالمناسبة، لم يعاقب أي لص شمالي أو جنوبي، لا من ناهبي الثروات، ولا من أصحاب الصفقات المشبوهة، ولا من أصحاب المحطات السرية لتكرير نفط حضرموت والمهرة وشبوة وسرقته، ولا من مهربي الممنوعات والمخدرات والأسلحة إلى الحوثيين عبر المنطقة العسكرية الأولى (سيئة الذكر والسمعة)، لأنه لو عاقب أحداً من هؤلاء لأقبلت قبائلهم لسحق بيته وأملاكه وقبيلته وكل من يمت له بصلة.
وعلى ذكر الخيانة الوطنية، يبقى السؤال:
ما هي الخيانة التي ارتكبها اللواءان عيدروس الزبيدي وفرج البحسني؟
نعم!
جريمة الزبيدي هي قيادة تحرير الضالع، ومحاربة الإرهاب في عدن ولحج وأبين وشبوة، وجريمة البحسني هي تحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيمي داعش والقاعدة، حينما كان العليمي هارباً في فنادق العليا بالرياض.
نحن لا نقدّم الزبيدي والبحسني على أنهما ملاكان طاهران، فهما بشر يصيبان ويخطئان مثل سائر البشر، و«كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»، لكن أخطاءهما لا ترتقي إلى مستوى واحد في المائة من جرائم العليمي.
ومن هذا المنطلق، نصيحتي للأشقاء في التحالف العربي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، أن يدبّروا مخرجاً لهذا الكائن، مثلما أتوا به ذات يوم، ربما بحسن نية وبالرهان على مؤهلات لا يمتلكها.
وما أكثر الخيارات البديلة من القادة الجنوبيين، رجالاً ونساءً، ممن يستطيعون إدارة الجنوب بأهلية ونزاهة وشرف، بما يجعلكم تفتخرون بهم، بدلاً من العار الذي يتسبب به هذا الرجل لكل من يراهن عليه أو يسانده أو يؤيده أو حتى يسكت على موبقاته المتكررة.
أما بقاء هذا الرجل في مكانه الذي لا يملؤه ولا يليق به، فسيظل أمراً مخجلاً للجميع، وسبباً من أسباب الهزائم والخيبات المتكررة، كما كان من قبله علي محسن والمقدشي ومن في دوائرهما.