نسمع كثيرًا، وفي مختلف دول العالم، عن الأهمية البالغة لإقامة المعارض الزراعية، لا باعتبارها مناسبات احتفالية عابرة، بل بوصفها منصات استراتيجية للترويج للمنتجات الزراعية، وبوابات حقيقية لربط المنتج بالسوق، والمزارع بالمستثمر، والمعرفة بالقرار.
وفي بلادنا، حيث الزراعة ليست قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل هوية وتاريخًا ومصدر عيش، تصبح المعارض الزراعية حاجة ملحّة وضرورة حقيقية. فإقامة أي معرض زراعي — للبن، أو العسل، أو الحبوب، أو غيرها من المنتجات — قادرة، إذا ما أُحسن التخطيط لها، على الإسهام في إيجاد حلول جذرية أو جزئية لكثير من مشكلات الزراعة، عبر تسليط الضوء على التحديات، وجذب الداعمين، وخلق مساحة حوار بين جميع الأطراف.
لكن دعونا هنا نكون أكثر تحديدًا وواقعية…
دعونا نركّز على البن اليمني عمومًا، وبن يافع على وجه الخصوص.
البن اليمني… تشخيص المشكلة قبل تزيين الواجهة
قبل إقامة معرض ناجح للبن، علينا أن ندرس بصدق وشفافية الدائرة الضيقة المحيطة بزراعته، دون تهويل أو تجميل.
ومن وجهة نظري، فإن أبرز ما يواجه زراعة البن اليمني عمومًا، وبن يافع خصوصًا، يتمثل في ثلاث مشكلات رئيسية:
أولًا: شُحّ المياه… وهي أمّ المشكلات
ندرة المياه، أو غياب إدارتها، تمثل التحدي الأكبر. فلا بنّ بلا ماء، ولا استدامة بلا حصاد لمياه الأمطار، ولا توسّع بلا حلول مائية ذكية، كالسدود، والحواجز المائية، والخزانات، وتغزير الآبار، وغيرها.
ثانيًا: التسويق… الحلقة الأضعف
حتى في المناطق التي لم تتأثر بالجفاف وتنتج البن بشكل منتظم، تبقى مشكلة التسويق هي الأبرز. فغياب الهوية التسويقية، وضعف الوصول إلى الأسواق، وترك المزارع وحيدًا أمام السماسرة، يقتل أي حافز للاستمرار أو التوسع.
ثالثًا: ضعف الاستثمار
زراعة البن ليست شجرة فحسب، بل سلسلة قيمة متكاملة:
زراعة – إنتاج – حصاد – معالجة – تصنيع – تسويق – تصدير.
وأي خلل أو غياب للاستثمار في إحدى هذه الحلقات يعني خسارة الجميع.
الحل ليس في التشتت… بل في التركيز
الحل، من وجهة نظري، لا يكمن في توزيع الجهود هنا وهناك، ولا في إرضاء الجميع على حساب النجاح، بل في التركيز الذكي، عبر:
تحديد منطقة بعينها
تمتلك مساحة كافية
وتضم عددًا جيدًا من أشجار البن
ولديها قابلية لإنشاء سدود وحفظ مياه الأمطار
وتتوافر فيها آبار يمكن تغزيرها
وقادرة على استيعاب أعداد كبيرة من شتلات البن
ثم تُوجَّه إليها:
دعم المنظمات
دعم الحكومة
دعم المؤسسات الخيرية
دعم الشركات الاستثمارية
لنؤسس قاعدة صلبة لإنتاج كميات كبيرة من البن عالي الجودة.
وعندما ننجح في منطقة واحدة، ننتقل إلى التي تليها.
هكذا تُبنى التجارب الناجحة، وهكذا تفعل الدول التي نحلم أن نلحق بها.
دعوة صادقة… بلا أنا وبلا حساسيات
علينا أن نبتعد عن حب الذات، وعن منطق: دعمني… وإلا أعطّل، أو منطقتي أولًا… وبعدها الطوفان.
فالتنمية لا تُدار بالعواطف، بل بالترتيب والأولويات.
وقد يختلف معي البعض، وهذا حقهم الكامل، لكن واجبنا جميعًا هو احترام الرأي الآخر وفتح باب النقاش.
خلونا نجرّب…
خلونا نتحاور…
وخلونا نخرج بحلول تليق ببن اليمن عمومًا، وبن يافع خصوصًا.
واحد قهوة سادة لو سمحت ☕
المعرض الزراعي الحقيقي ليس خيمة، ولا صورًا، ولا بروشورات، ولا تقارير، ولا “صوّرني وأنا جنب الخيمة”،
بل قرار شجاع، وتركيز ذكي، وإرادة تتجاوز الأشخاص إلى المشروع.
إذا أردنا إنقاذ البن اليمني، فعلينا أن نبدأ من الجذور… لا من اللافتات.
م/ عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين