كتب/عبدالرقيب يسلم الكلدي
لم تكن المليونية الحاشدة التي شهدتها ساحة الحرية، ساحة الشهداء، ساحة العروض، مجرد تجمع عابر، ولا فعالية موسمية تُستدعى عند الحاجة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن إرادة شعب قرر أن يقول كلمته بوضوح: قضيتنا عادلة، وقرارنا الجنوبي مستقل، ولا وصاية على إرادتنا بعد اليوم.
جاءت هذه المليونية تأييدًا لبيان الثاني من يناير، ذلك البيان الذي مثّل محطة مفصلية في مسار القضية الجنوبية، وأُعلن فيه الإطار الدستوري كترجمة سياسية لإرادة شعبية تراكمت عبر سنوات من النضال والتضحيات. ولم يكن الإعلان الدستوري قفزة في الفراغ، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الوعي والصبر والمقاومة السياسية والشعبية.
إن الحشود المليونية التي ملأت الشوارع والساحات، ورفعت راية الجنوب بثبات، أكدت أن هذا الشعب لا يمكن تجاوزه، ولا القفز على تطلعاته، ولا اختزال قضيته في صفقات أو تسويات تنتقص من جوهرها. لقد خرج الناس ليقولوا إن أي محاولة للالتفاف على القضية الجنوبية، أو تفريغها من مضمونها الوطني والسيادي، مرفوضة جملةً وتفصيلًا.
هذه المليونية لم تكن موجهة ضد أحد، بقدر ما كانت رسالة واضحة للجميع: الجنوب ليس ملفًا قابلًا للمساومة، ولا ورقة تفاوض تُدار من خلف الكواليس. هي رسالة إلى الداخل بضرورة التماسك والاصطفاف، ورسالة إلى الخارج بأن الجنوب يمتلك شعبًا حيًا، واعيًا، قادرًا على حماية مشروعه السياسي.
لقد أثبت شعب الجنوب، مرةً أخرى، أن شرعية الميدان أقوى من كل محاولات التشكيك، وأن التفويض الحقيقي لا يُمنح في الغرف المغلقة، بل تصنعه الجماهير عندما تخرج دفاعًا عن هويتها وحقها في تقرير مصيرها. فهذه المليونية أسقطت كل الادعاءات التي حاولت التقليل من حجم التأييد الشعبي، وأعادت ضبط البوصلة باتجاه الحقيقة.
إن ما جرى ليس مجرد تأييد لبيان، بل تجديد للعهد مع القضية الجنوبية، وتأكيد على أن هذا الشعب، الذي صمد في وجه الإقصاء والحروب والمؤامرات، قادر اليوم على حماية منجزاته السياسية، والدفاع عن أي خطوة تعزز مساره نحو استعادة دولته كاملة السيادة.
ختامًا، فإن مليونية التأييد ليست نهاية الطريق، بل محطة وعي جديدة تقول بوضوح:
قضيتنا عادلة، وشعبنا عظيم، ومن يراهن على كسر إرادة الجنوب، يراهن على وهمٍ سقط في الميدان.