قد يبدو عنوان مقالي قاسيا للوهلة الأولى
لكنه ليس موجه إلى المزارع، ولا هو اتهام لمن يبحث عن لقمة عيشه في أرضه وإنما هو رسالة إلى كل من صمم ونفذ برامج الدعم الزراعي طوال السنوات الماضية.
فالمزارع لم يختار أن يبقى محتاجًا.
ولم يختار أن ينتظر كل موسم من أن يأتي إليه بالبذور أو المدخلات.
ولم يختار أن يعيش على المساعدة.
نحن الذين يجب أن نسأل أنفسنا
هل ساعدناه فعلًا على أن يصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه؟
أم أننا من حيث لا نقصد جعلنا الدعم عادة والانتظار ثقافة والاعتماد على الآخرين أسلوبًا يتكرر من موسم إلى آخر؟
دلتا أبين.. الأرض التي تستحق أكثر
في دلتا أبين، حيث الأرض الزراعية الواسعة، وحيث عرفت الأجيال الزراعة والري والسيول، وحيث ارتبطت حياة الناس بالأرض منذ زمن طويل، لا ينبغي أن تكون التنمية الزراعية مجرد توزيع مدخلات في مواسم متفرقة.
هذه الدلتا قادرة على أن تنتج أكثر.
وقادرة على أن تكون مصدر دخل لمئات وآلاف الأسر.
وقادرة على أن تستعيد جزءًا من مكانتها كواحدة من أهم المناطق الزراعية.
لكن ذلك يحتاج إلى أن نغيّر طريقة تفكيرنا.
فالأرض لا تحتاج إلى دعم مؤقت بقدر حاجتها إلى منظومة تجعلها منتجة بصورة مستمرة.
أكثر من عشر سنوات.. والسؤال ما زال قائمًا
على مدى سنوات طويلة، أُنفقت أموال كثيرة على برامج لدعم صغار المزارعين.
وهذا جهد لا يمكن إنكاره، ولا ينبغي التقليل من حسن النوايا التي وقفت خلف كثير من تلك المشاريع.
لكن بعد عشر سنوات وربما أكثر
من حقنا أن نسأل.....
ماذا تغير؟هل أصبح المزارع أكثر قدرة للاعتماد على نفسه ؟
هل ارتفعت إنتاجية الأرض؟
هل تحسن دخله؟
هل أصبح قادرًا على شراء احتياجاته الزراعية من عائد إنتاجه؟
هل أصبح أكثر قدرة على مواجهة الآفات والأمراض ومشكلات المياه والتسويق؟
أم أننا ما زلنا نعود كل موسم إلى النقطة نفسها؟
دعم جديد.. مدخلات جديدة.. مستفيدون جدد.. ثم انتظار للموسم القادم.
إذا كان هذا يحدث، فعلينا أن نتوقف.
ليس لنلوم المزارع.
بل لنراجع أنفسنا.
المشكلة ليست في المزارع
المزارع في دلتا أبين يعمل في ظروف صعبة.
ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومشكلات المياه، وتذبذب الأسعار، والآفات والأمراض، وضعف التسويق، وتراجع الخدمات الزراعية، كلها تحديات حقيقية.
ولهذا فإن دعم المزارع واجب.
لكن الدعم الناجح هو الذي يجعل المزارع أقوى بعد الدعم مما كان قبله.
أما إذا ظل محتاجًا إلى الدعم نفسه كل عام، فهنا يجب أن نعيد النظر في الطريقة.
لأننا قد نكون قدمنا له مساعدة في موسم، لكننا لم نبني له قدرة للمستقبل.
على أيديكم تعلّمنا الكسل!
نعم، نقولها بصراحة، ولكن دون تجني
على أيديكم تعلّمنا الكسل.
ليس كسل الأرض.
ولا كسل الفلاح الذي يكدح تحت الشمس.بل كسل الاعتماد على الحل الجاهز.
حين يتعود الإنسان أن تأتيه البذور ثم الأسمدة، ثم المدخلات، ثم المساعدة، دون أن تصاحب ذلك معرفة وتدريب وتسويق وتطوير حقيقي، فإنه قد يجد نفسه مع مرور الوقت منتظرًا للمشروع التالي بدل أن يفكر في كيفية بناء مشروعه الخاص.
وهنا يصبح السؤال.....
هل ساعدنا المزارع على أن يقف على قدميه ؟ أم جعلناه ينتظر من يسنده كل مرة؟
الدعم الذي لا يصنع الاستقلال يحتاج إلى مراجعة
نحن لا نقول أوقفوا دعم صغار المزارعين.بل نقول...
غيّروا طريقة الدعم بدل أن نعطي المزارع مدخلات فقط نعطيه المعرفة أولًا.وبدل أن نوزع البذور ونغادر نتابع الحقل من الزراعة حتى الحصاد.وبدل أن ننتهي عند الإنتاج نرافقه إلى التخزين والتسويق.
وبدل أن ندعم فردًا واحدًا، ندعم مجموعة من المزارعين في إطار تعاوني أو إنتاجي.
وبدل أن نقيس النجاح بعدد المستفيدين، نقيسه بزيادة الإنتاج والدخل والاستقلال.
هنا يصبح الدعم استثمارًا وليس استهلاكًا.
ماذا لو أنفقنا المال بطريقة مختلفة؟
خذوا مثالًا بسيطًا.
قد ننفق مبلغًا على حدائق منزلية أو صرف اعلاف للحيوانات أو مكعبات محليه قد تستفيد منها مجموعة محدودة من الأسر فقط
لا بأس في ذالك لكن ماذا لو استثمرنا المبلغ نفسه أو جزءًا منه في مشروع تشجير مجتمعي في دلتا أبين؟
نزرع الأشجار على الطرقات.
وفي المدارس.
وفي المرافق العامة.
وعلى مداخل المدن والقرى.
ونوزع الشتلات على المزارعين لزراعتها على حدود أراضيهم.
هنا يصبح المشروع ملكًا للمجتمع كله.
شجرة واحدة قد تمنح ظلًا لعشرات الأشخاص.
وشجرة أخرى قد تحمي حافة أرض زراعية.
وثالثة قد تصبح مصدر إنتاج.
نفس الشتلة، ولكن أثرها أكبر عندما نضعها في المكان الصحيح.
لا نريد أن يبقى المزارع صغيرًا
المشكلة ليست أن لدينا صغار مزارعين.
المشكلة أن يبقى المزارع صغيرًا بعد عشر سنوات من الدعم.
المفترض أن يكون الدعم مرحلة انتقالية.
يبدأ المزارع صغيرًا.
ندعمه...نعلّمه...نساعده...نربطه بالسوق...ثم يبدأ بالتوسع.
ثم يستثمر في أرضه.
ثم يوظف آخرين.
ثم يصبح قادرًا على تمويل جزء كبير من احتياجاته بنفسه.
هذا هو النجاح.
أما أن يعود كل عام ينتظر الكيس نفسه، والبذور نفسها، والمساعدة نفسها، فهذه ليست التنمية التي نطمح إليها.
دلتا أبين تحتاج إلى مشروع كبير لا إلى تدخلات صغيرة متفرقة
دلتا أبين تحتاج إلى رؤية زراعية متكاملة.
تحتاج إلى ربط المياه بالأرض والبحث العلمي بالإرشاد، والإنتاج بالسوق، والمزارع بالتعاونية، والطاقة بالإنتاج، والتمويل بالاستثمار.
تحتاج إلى إعادة الاعتبار للري السيلي وإدارته بصورة عادلة ومستدامة.
وتحتاج إلى تطوير الري الحديث ورفع كفاءة استخدام المياه.
وتحتاج إلى البحث الزراعي الذي يعالج مشكلات المزارعين الحقيقية.
وتحتاج إلى إرشاد زراعي موجود في الحقل، لا في المكاتب فقط.
وتحتاج إلى أسواق وسلاسل قيمة تجعل المزارع يشعر أن زيادة إنتاجه تعني زيادة دخله.
عندها فقط يصبح الدعم بداية للنمو، لا نهاية عند باب المزرعة.
فلنغيّر السؤال
بدلا من أن نقول كم مزارعًا دعمنا؟
فلنسأل كم مزارعًا أصبح قادرًا على الاستغناء عن الدعم؟
بدل أن نقول
كم طنًا من المدخلات وزعنا؟
فلنسأل كم طنًا من الإنتاج الإضافي حققنا؟
بدل أن نقول كم مشروعًا نفذنا؟
فلنسأل كم مشروعًا بقي يعمل بعد انتهاء التمويل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحدد نجاح التنمية في دلتا أبين.
رسالتي الاخيره
يا من تضعون برامج التنمية..
ويا من تمسكون أموال المشاريع..
ويا من تكتبون الخطط وتضعون الأهداف..
لا تجعلوا الدعم قدرًا أبديًا على المزارع.ساعدوه اليوم لكي لا يحتاجكم غدًا.
علموه لكي يصبح قادرًا.
ساندوه لكي يقف على قدميه ويعتمد على نفسه .
اربطوه بالسوق لكي ينتج.
ساعدوه في المياه والتقنية والإرشاد لكي يرفع إنتاجيته.
ثم اتركوا له مساحة ليكبر.
فنحن لا نريد مزارعًا يعيش على الدعم.
نريد مزارعًا يعيش من أرضه.
نريد دلتا أبين منتجة، قادرة، مكتفية، وقادرة على صناعة مستقبلها.
ولهذا، عندما نقول...
على أيديكم تعلّمنا الكسل
فنحن لا نريد إدانة أحد.
بل نريد أن نقول شيئًا واحدًا...
آن الأوان أن ننتقل من سياسة تعوّد الناس على انتظار الدعم، إلى سياسة تجعلهم قادرين على الاستغناء عنه.
فاليد التي تعطي ليست عظيمة فقط عندما تعطي.
إنما عظمتها الحقيقية عندما تعطي الإنسان ما يجعله قادرًا على أن يعمل بيده، وينتج بأرضه، ويعيش بكرامته.
م. عبدالقادر السميطي – دلتا أبين
6 اكتوبر26م