المقدمة:
ساحات لا يدخلها إلا الرجال
ساحة المعركة ليست كسائر الساحات؛ فالدخول إليها ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو دخول إلى ميدان تختبر فيه عزائم الرجال، وتظهر فيه حقيقة الإيمان بما يؤمنون به، وتُعرف فيه معادن النفوس.
في تلك الساحات، لا يكفي أن يحمل الإنسان السلاح، بل يحتاج إلى قلب ثابت، وإرادة لا تهتز أمام أصوات المدافع، وعزيمة لا تزحزحها صعوبة الطريق. إنها ساحات لا يدخلها إلا الرجال الصناديد الذين يؤمنون بقضية يرونها جديرة بالدفاع، ويدركون أن الطريق الذي اختاروه قد يقود إلى النصر أو إلى الشهادة.
ومنذ أجيال بعيدة، عُرفت مناطق الجنوب برجالها الذين حملوا قيم الشجاعة والكرامة والوفاء، وتناقلت الأجيال هذه القيم جيلاً بعد جيل. وفي كثير من البيوت، لم تكن الشجاعة مجرد صفة يتعلمها الأبناء من آبائهم، بل كانت جزءاً من التربية اليومية، وموروثاً أخلاقياً يترسخ في نفوسهم منذ الصغر.
ومن بين المناطق التي عُرفت برجالها ومواقفها، تأتي منطقة حِمّة في مديرية سرار بمحافظة أبين؛ تلك المنطقة التي عُرفت بأصالة أهلها وكرمهم وشجاعتهم وثباتهم في المواقف.
ومن جبال أمعظيبة وأرنبة وأعصم، التي تقف شامخة في وجه الزمن، خرج رجالٌ حملوا في نفوسهم شموخ الجبال، وفي قلوبهم حب الأرض والكرامة.
فمن ثدي الأمهات في حمه... لا يرضع الأبناء لبنٱ خالصا بل يرضع الأبناء الحرية، ويكبرون على الكرامة.
ومن هذه البيئة الأصيلة وُلد الشهيد الشاب عادل ناصر عبدالله الجريري، أحد أبناء منطقة حِمّة، الذي حمل منذ شبابه روح الانتماء والالتزام، ثم اختار طريق الخدمة العسكرية، قبل أن يجد نفسه في ميدان الحرب، حيث اختُبرت عزيمته، وانتهت رحلته بالشهادة.
أولاً: الميلاد والنشأة
من أعصم... حيث الأصالة والشجاعة
ولد الشهيد الشاب عادل ناصر عبدالله الجريري عام 1971م في قرية أعصم بمنطقة حِمّة، مديرية سرار، محافظة أبين.
نشأ في أسرة عُرفت بتاريخها النضالي، وكانت من الأسر التي ارتبطت بمسيرة النضال منذ فترة الاستعمار البريطاني واستمرت في حضورها ومواقفها الوطنية بعد ذلك.
وفي هذه البيئة الاجتماعية الأصيلة، تربى الشهيد، واكتسب من أسرته ومجتمعه صفات الوفاء والشجاعة والكرم وحب الأرض.
وكانت منطقة حِمّة، بما تتميز به من طبيعة جبلية قاسية، مدرسةً بحد ذاتها؛ يتعلم فيها الإنسان الصبر والتحمل، ويعتاد مواجهة صعوبات الحياة بثبات وعزيمة.
وقد انعكست هذه البيئة على شخصية الشهيد، فكان شاباً نشيطاً ومخلصاً، يحمل طموحاً ورغبة في خدمة وطنه.
ثانياً: المسيرة التعليمية
البداية من مدرسة حِمّة
تلقى الشهيد عادل ناصر عبدالله الجريري تعليمه الابتدائي في مدرسة حِمّة.
وفي تلك المرحلة بدأت تتشكل شخصيته، كما بدأت تتضح ملامح طموحه نحو المستقبل.
وكغيره من شباب تلك المرحلة، كان الالتحاق بالمؤسسة العسكرية حلماً يراود الكثير من الشباب، لما كانت تمثله القوات المسلحة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من مؤسسة ذات حضور قوي وانضباط عسكري، وما ارتبط بها من مسؤولية في حماية الوطن وخدمة المجتمع.
ثالثاً: الالتحاق بالمؤسسة العسكرية
من حلم الشباب إلى ميدان الواجب
في عام 1988م، تحقق حلم الشهيد بالالتحاق بالمؤسسة العسكرية، فانضم إلى اللواء الخامس مدرع.
ومنذ التحاقه باللواء، عُرف بالجدية والنشاط والإخلاص في أداء الواجب، وكان ملتزماً بتنفيذ المهام والأنشطة التي تُسند إليه.
لم يكن ينظر إلى الخدمة العسكرية باعتبارها مجرد وظيفة، بل كان يتعامل معها باعتبارها مسؤولية والتزاماً، ولذلك حرص على أداء ما يوكل إليه بكل جدية وانضباط.
وكانت السنوات التي قضاها في المؤسسة العسكرية مرحلة مهمة في حياته، اكتسب خلالها الخبرة والانضباط وروح العمل الجماعي، وأصبح أكثر استعداداً لتحمل المسؤوليات التي قد تفرضها عليه الظروف.
رابعاً: شخصية عسكرية مخلصة
الانضباط والنشاط وحسن أداء الواجب
تميز الشهيد خلال خدمته العسكرية بالنشاط والإخلاص والالتزام.
وكان يؤدي المهام التي تُسند إليه بروح المسؤولية، ملتزماً بالتعليمات، حريصاً على المشاركة في الأنشطة والواجبات العسكرية.
كما عُرف بين زملائه بروح التعاون والعمل الجماعي، وهي صفات أسهمت في بناء شخصية عسكرية متوازنة تجمع بين الالتزام والجدية وحسن التعامل.
ولم يكن طريق الخدمة العسكرية بالنسبة إليه طريقاً سهلاً، فقد تطلب منه ذلك الكثير من الصبر والانضباط والتدريب، لكنه ظل متمسكاً باختياره حتى جاءت اللحظة التي أصبح فيها الواجب العسكري مرتبطاً بميدان الحرب.
خامساً: الحرب وميدان دوفس
حين تحول الواجب إلى اختبار حقيقي
في شهر ابريل من عام 1994م، اندلعت الحرب بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، ودخلت البلاد مرحلة قاسية من الصراع والمواجهات العسكرية.
وفي تلك الظروف، لم يتراجع الشهيد عادل ناصر عبدالله الجريري عن أداء واجبه، بل لبّى نداء العزة والكرامة، والتحق بزملائه في ميدان المواجهة.
وشارك الشهيد مع رفاقه في جبهة دوفس بمحافظة أبين، حيث كانت المعارك تمثل اختباراً حقيقياً لكل ما تعلمه العسكريون من صبر وانضباط وثبات.
هناك، في ميدان القتال، لم تعد الكلمات وحدها كافية، ولم تعد التدريبات العسكرية مجرد تمارين، بل أصبح كل ما تعلمه الإنسان خلال سنوات خدمته واقعاً يواجهه في لحظة حاسمة.
وكان الشهيد حاضراً مع زملائه، ثابتاً في موقعه، يؤدي واجبه حتى النهاية.
سادساً: الشهادة
شابٌ يافع... ورحيلٌ أبقى الاسم خالداً
في جبهة دوفس بمحافظة أبين، ارتقى الشهيد عادل ناصر عبدالله الجريري شهيداً وهو في ريعان شبابه.
رحل شاباً يافعاً، لكن رحيله لم يكن نهاية قصته؛ فقد بقي اسمه مرتبطاً بأرضه وأهله ورفاقه، وبقيت سيرته شاهدة على جيل من الشباب الذين اختاروا طريق الخدمة العسكرية، ثم وجدوا أنفسهم في ميدان الحرب.
لقد حمل الشهيد في حياته القصيرة طموح الشاب، والتزامة العسكري، وشجاعة الرجل الذي لم يتراجع عندما حان وقت المواجهة.
وبذلك كتب اسمه في سجل الخالدين، مدافعاً عن وطنه وتراب أرضه، تاركاً خلفه أسرةً ورفاقاً وأهلاً يحملون ذكراه ويستعيدون سيرته بكل فخر واعتزاز.
سابعاً: حِمّة التي أنجبت الرجال
من الجبال الشامخة إلى ميادين التضحية
إن الحديث عن الشهيد عادل ناصر عبدالله الجريري لا ينفصل عن الحديث عن البيئة التي نشأ فيها.
فمنطقة حِمّة، بما تحمله من تاريخ وأصالة، كانت وما زالت جزءاً من النسيج الاجتماعي لمديرية سرار، وقد عُرفت برجالها ومواقفهم.
ومن بين جبالها وقراها خرج الشهيد، حاملاً معه قيم أسرته ومجتمعه، ثم انتقل إلى المؤسسة العسكرية، وهناك واصل طريقه في العمل والانضباط، حتى انتهت رحلته في جبهة دوفس.
وهكذا تظل سيرة الشهيد مرتبطة بالمكان الذي ولد فيه، وبالبيئة التي احتضنت طفولته، وبالأرض التي اختار أن يدافع عنها.
ثامناً: في سجل الخالدين
لا تُقاس قيمة الإنسان بطول سنوات عمره، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
والشهيد عادل ناصر عبدالله الجريري عاش سنوات قليلة نسبياً، لكنه استطاع خلالها أن يرسم لنفسه طريقاً واضحاً، بدأ بالتعليم، ثم انتقل إلى المؤسسة العسكرية، وعاش سنوات من الالتزام والنشاط، قبل أن يختم حياته في ميدان القتال.
وقد يكون الإنسان صغيراً في العمر، لكنه كبير في مواقفه، وهذا ما يجعل بعض الأسماء تبقى حاضرة بعد رحيل أصحابها.
إن تخليد سيرة الشهداء هو وفاء لأرواحهم، وحفظ لذاكرة الأسر والمناطق، وتعريف للأجيال بمن سبقوهم من الرجال الذين تركوا وراءهم أثراً لا ينبغي أن يضيع مع مرور الزمن.
الخاتمة
رحل الشهيد... وبقيت حِمّة تروي حكايته
رحل الشهيد الشاب عادل ناصر عبدالله الجريري وهو في ريعان شبابه، لكنه ترك خلفه سيرة تختصر الكثير من معاني الإخلاص والالتزام والشجاعة.
ولد في أعصم بمنطقة حِمّة، ونشأ في أسرة عُرفت بتاريخها النضالي، وتلقى تعليمه في مدرسة حِمّة، ثم اختار طريق الخدمة العسكرية، فالتحق عام 1988م باللواء الخامس مدرع، وظل مخلصاً ونشيطاً في أداء مهامه.
وعندما اندلعت حرب عام 1994م، كان حاضراً في جبهة دوفس بمحافظة أبين، مشاركاً مع زملائه في ميدان القتال، حتى ارتقى شهيداً وهو شاب يافع، ليكتب بدمه صفحة من صفحات التضحية التي ستظل حاضرة في ذاكرة أهله ومنطقته.
إن جبال حِمّة التي شهدت طفولته ستظل شاهدة على ميلاده، وأرض دوفس التي شهدت استشهاده ستظل شاهدة على آخر فصول حياته.
وهكذا انتقل الشهيد من رحاب الجبال إلى ميادين الشرف، ومن حياة الشباب إلى الخلود في الذاكرة.
رحم الله الشهيد عادل ناصر عبدالله الجريري، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه خالدة في قلوب أهله ومحبيه، وفي سجل شهداء مديرية سرار.
من كتاب: «الخالدين»
للمؤلف: الأستاذ/ عبدالوهاب العمري