آخر تحديث :السبت-08 أغسطس 2026-07:59م
وثائقيات


من جبال خرعان الشامخة إلى ميادين البطولة.. سيرة الشهيد الشاب/ نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي شابٌ صغير في العمر... كبيرٌ في العطاء والعمل

من جبال خرعان الشامخة إلى ميادين البطولة..
سيرة الشهيد الشاب/ نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي
شابٌ صغير في العمر... كبيرٌ في العطاء والعمل
السبت - 08 أغسطس 2026 - 06:59 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

الشهداء ذاكرة الأوطان

الشهداء هم من أسمى ما تقدمه الأمم في سبيل الأرض والكرامة والحرية، وهم الذين قدموا أغلى ما يملكون، وهي أرواحهم، لتبقى الأوطان عزيزة، ولتبقى راية الكرامة مرفوعة، ولتواصل الأجيال مسيرتها نحو المستقبل.

إن التضحية ليست قراراً عابراً، ولا موقفاً وليد لحظة، وإنما هي تعبير عن حب عميق للأرض والانتماء إليها، وإيمان بأن الوطن وما يمثله من قيم وكرامة ومسؤولية أكبر من حياة الإنسان الفردية.

والتاريخ لا يُكتب بالحبر وحده، بل تكتبه أيضاً مواقف الرجال وتضحياتهم، ويظل بعض الرجال حاضرين في الذاكرة مهما مرت السنوات، لأنهم تركوا وراءهم أثراً لا تمحوه الأيام.

ومن بين هؤلاء يأتي الشهيد الشاب/ نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي، الذي اختصر في سنوات عمره القليلة قصة شاب حمل طموحاً عسكرياً، وسعى إلى تحقيقه، ثم وجد نفسه في ميادين المواجهة، فثبت حتى النهاية، وارتقى شهيداً وهو يدافع عن وطنه وأرضه.


أولاً: الميلاد والنشأة

من جبال خرعان... الشموخ .

من بين الجبال الشاهقة، ومن رحاب جبال خرعان التي تقف شامخة في سمائها، وُلد الشهيد الغالي/ نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي عام 1972م، في منطقة خرعان التابعة لمديرية سرار بمحافظة أبين.

نشأ الشهيد في بيئة جبلية أصيلة، ارتبط فيها الإنسان بأرضه ارتباطاً عميقاً، وتعلم فيها قيم الصبر والتحمل والاعتماد على النفس.

وكانت جبال خرعان، بما تمثله من شموخ وصلابة، شاهدة على سنوات طفولته ونشأته، قبل أن ينتقل من رحاب القرية والمدرسة إلى حياة مختلفة تماماً، اختار فيها طريق الخدمة العسكرية.



ثانياً: المسيرة التعليمية

بداية الطريق من مدرسة أمسدارة

بدأ الشهيد نبيل محسن علي جبران رحلته التعليمية في مدرسة أمسدارة، حيث تلقى تعليمه في المرحلة الابتدائية.

وكغيره من الشباب في ذلك الزمن، كان يحمل طموحات وأحلاماً تتجاوز حدود المكان الذي نشأ فيه، وكان من أبرز أحلامه الالتحاق بالسلك العسكري.

لم يكن ذلك الطموح مجرد رغبة عابرة، بل أصبح هدفاً سعى إليه حتى تمكن من تحقيقه، لينتقل من مقاعد الدراسة إلى ميادين التدريب والانضباط العسكري.



ثالثاً: الحلم العسكري يتحول إلى واقع

الالتحاق باللواء الخامس مدرع

في عام 1988م، التحق الشهيد بالسلك العسكري، وانضم إلى اللواء الخامس مدرع في العاصمة عدن.

وكان الالتحاق بالقوات المسلحة في ذلك الوقت يمثل حلماً للكثير من الشباب، لما كانت تمثله المؤسسة العسكرية من مكانة، وما ارتبط بها من قيم الانضباط والالتزام وتحمل المسؤولية.

وكان الشهيد، رغم صغر سنه، يمتلك طموحاً كبيراً وإصراراً واضحاً على النجاح، فاستطاع أن يثبت حضوره في المجال العسكري خلال فترة قصيرة.



رابعاً: التخصص في سلاح المدرعات

شابٌ صغير... وكفاءةٌ عسكرية مبكرة

لم يكتفِ الشهيد بمجرد الالتحاق بالقوات المسلحة، بل سعى إلى تطوير قدراته والاستفادة من فرص التدريب والتأهيل.

وقد حصل على عدد من الدورات العسكرية في مجال المدرعات، وهو المجال الذي برز فيه وتميز به.

وكان من اللافت أن يتمكن شاب في مقتبل العمر من اكتساب الخبرة والتخصص في فترة قصيرة نسبياً، وهو ما يعكس ما كان يمتلكه من حماس ورغبة في التعلم والتطور العسكري.

لقد كان حلمه العسكري حافزاً له على إثبات ذاته، فكل خطوة في مسيرته كانت تقربه أكثر من الصورة التي رسمها لنفسه منذ أن كان شاباً صغيراً يحلم بارتداء الزي العسكري.



خامساً: الشهيد في ميادين المواجهة

من التدريب إلى ميدان البطولة

مع اندلاع الحرب عام 1994م بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وجد الشهيد نفسه أمام اختبار حقيقي لكل ما تعلمه وتدرب عليه خلال سنوات خدمته العسكرية.

كان أحد أفراد القوات المسلحة الذين واجهوا الحرب، وشارك في القتال ضمن سلاح المدرعات في جبهة دوفس بمحافظة أبين.

وهناك في ميدان المواجهة، لم يعد الأمر مجرد تدريب أو دورات عسكرية، بل أصبح اختباراً حقيقياً للشجاعة والثبات وتحمل المسؤولية.

قاتل الشهيد مع زملائه، وصمد في ميدان القتال، وظل يؤدي واجبه حتى اللحظة الأخيرة.



سادساً: الشهادة والخلود

رحيل شاب... وبقاء سيرة

في جبهه دوفس بمحافظة أبين، ارتقى الشهيد نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي شهيداً في شهر يونيو عام 1994م، وهو في ريعان شبابه.

كان رحيله مؤلماً لأسرته وأهله ورفاقه، فقد غادر الحياة شاباً، لكنه ترك وراءه سيرة تختصر معنى العطاء والتضحية.

لقد عاش سنوات قليلة، لكنه اختار أن يمنح وطنه من عمره وجهده أكثر مما أخذ منه، وأن يجعل من حياته القصيرة أثراً باقياً في ذاكرة أهله وأبناء منطقته.

وهكذا أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة المكان، وواحداً من أبناء سرار الذين قدموا أرواحهم في ميادين القتال، ليبقى ذكرهم حاضراً في وجدان الأجيال.



سابعاً: شابٌ صغير في العمر... كبيرٌ في العمل

لعل أجمل ما يمكن أن تختصر به سيرة الشهيد نبيل محسن علي جبران هو أنه كان شاباً صغيراً في العمر، لكنه كبير في الطموح والعمل والعطاء.

فمنذ سنواته الأولى، حمل حلماً عسكرياً، وسعى إلى تحقيقه، ثم لم يكتفِ بالوصول إلى المؤسسة العسكرية، بل اتجه إلى التخصص والتدريب في مجال المدرعات، وأثبت حضوره رغم حداثة سنه.

وعندما جاءت لحظة الاختبار الحقيقي، كان حاضراً في الميدان، ثابتاً إلى جانب رفاقه، حتى كتب نهايته بالشهادة.

وهنا تكمن قيمة سيرته؛ فليست العبرة بطول العمر، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر خلال السنوات التي يعيشها.



ثامناً: في سجل الخالدين

إن رحيل الشهيد لا يعني غياب سيرته، فالرجال الذين يرحلون وهم يحملون في قلوبهم حب الأرض، ويتركون خلفهم مواقف مشرفة، لا تغيب أسماؤهم عن ذاكرة الأوطان.

وسيظل الشهيد نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي واحداً من أبناء جبال خرعان الذين خرجوا من بيئة بسيطة، وحملوا أحلاماً كبيرة، ثم انتقلوا إلى ميادين العمل والعطاء، حتى ارتقوا شهداء.

لقد كان شاباً في عمره، كبيراً في طموحه، حاضراً في عمله، وثابتاً في ميدانه، فاستحق أن تُروى سيرته وأن يُحفظ اسمه في ذاكرة الأجيال.

إن تخليد سيرة الشهداء ليس مجرد استعادة للماضي، وإنما هو وفاء لمن رحلوا، وتعريف للأجيال القادمة برجالٍ قدموا ما استطاعوا من أجل ما آمنوا به.


في الختام

رحل الجسد... وبقي الاسم

رحل الشهيد نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي شاباً، لكن السنوات القليلة التي عاشها كانت كافية ليترك بصمة في حياة أسرته ورفاقه ومجتمعه.

خرج من جبال خرعان، وتلقى تعليمه في مدرسة أمسدارة، ثم حمل حلمه العسكري والتحق بالقوات المسلحة، وتخصص في سلاح المدرعات، وشارك في ميادين القتال، حتى ارتقى شهيداً في جبهة دوفس بمحافظة أبين عام 1994م.

وهكذا أثبت أن قيمة الإنسان لا تقاس بطول عمره، وإنما بما يقدمه خلال حياته من عمل ومواقف وتضحيات.

رحم الله الشهيد نبيل محسن علي جبران بن عبدالباقي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وحفظ لأسرته وذويه ذكرى طيبة لا تنسى.

وسيظل اسمه، بإذن الله، حاضراً في سجل الخالدين، شاهداً على جيلٍ من أبناء سرار الذين حملوا أحلامهم من بين الجبال، ومضوا بها إلى ميادين العمل والواجب والتضحية.

رحم الله الشهيد وأسكنه فسيح جناته.


من كتاب: �الخالدين�

للمؤلف: الأستاذ/ عبدالوهاب العمري