آخر تحديث :الجمعة-31 يوليو 2026-09:24م
وثائقيات


من قمم سرار إلى سجل الخالدين سيرة الشهيد البطل الملازم أول عبدالناصر علي محمد شيخ الهيثمي

من قمم سرار إلى سجل الخالدين
سيرة الشهيد البطل الملازم أول عبدالناصر علي محمد شيخ الهيثمي
الجمعة - 31 يوليو 2026 - 07:20 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

المقدمة

في أعالي جبال سرار الشامخة، حيث تعانق القمم السحاب، وتُولد من بين الصخور الصلبة معاني العزة والإباء، نشأ رجالٌ حملوا في قلوبهم حب الوطن، وجعلوا من التضحية والفداء طريقاً لحياتهم. ومن قرية المجزع الوادعة، إحدى قرى مديرية سرار بمحافظة أبين، بزغ نجم الشهيد البطل عبدالناصر علي محمد شيخ الهيثمي، الذي سطر صفحات مشرقة من الإخلاص والانضباط العسكري، حتى ارتقى شهيداً وهو خارج من بيتٍ من بيوت الله، ليخلد اسمه في سجل الشهداء الأبرار.

أولاً: الميلاد والنشأة

ولد الشهيد عبدالناصر علي محمد شيخ الهيثمي يوم الخميس الموافق 22 أكتوبر 1967م، في قرية المجزع بمديرية سرار، محافظة أبين، وسط بيئة جبلية عُرفت بأصالتها وعراقتها، وأنجبت العديد من الرجال الذين كان لهم حضور بارز في ميادين الشرف والنضال.

نشأ الشهيد في أسرة كريمة عُرفت بالكرم والجود وحسن الخلق، فتربى على القيم الإسلامية والأخلاق الحميدة، واكتسب منذ صغره صفات الصدق والأمانة والتواضع، وهي الصفات التي لازمته طوال حياته، وجعلته محبوباً بين أهله وزملائه وكل من عرفه.

وقد انعكست تلك التربية الصالحة على شخصيته، فكان مثالاً للشاب الخلوق، المتعاون، المحب للخير، والمخلص في أداء واجباته، سواء في حياته الدراسية أو العسكرية.

ثانياً: المسيرة التعليمية

بدأ الشهيد رحلته التعليمية في مدرسة المقيصرة، حيث تلقى تعليمه الأساسي، وأظهر منذ سنواته الأولى تفوقاً ملحوظاً واجتهاداً في تحصيله العلمي.

وكان يتميز بالانضباط وحب التعلم، الأمر الذي لفت أنظار معلميه، فكان من الطلاب الذين يُنتظر لهم مستقبل واعد. وقد أكمل المرحلة الإعدادية بنجاح، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته ارتبطت بخدمة الوطن والدفاع عنه.

ثالثاً: الالتحاق بالقوات المسلحة

في عام 1981م، وبفضل تفوقه الدراسي وكفاءته، تم ترشيحه للالتحاق بجيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حيث عُين ضمن قوام اللواء الثالث مدرع، الذي كان يُعد آنذاك من أقوى وأبرز ألوية القوات المسلحة.

ومنذ الأيام الأولى لالتحاقه بالخدمة العسكرية، أثبت الشهيد جدارته وانضباطه، وتميز بأخلاقه العالية وحسن تعامله مع زملائه وقادته، فكان مثالاً للعسكري الملتزم الذي يجمع بين الانضباط والكفاءة.

رابعاً: التفوق العسكري والمسيرة المهنية

لم يقتصر تميز الشهيد على أداء واجباته العسكرية، بل واصل تفوقه العلمي داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي أهله للترشيح للالتحاق بالكلية العسكرية.

وبعد إكمال دراسته العسكرية، تخرج برتبة ملازم ثانٍ، ثم واصل حضوره للدورات العسكرية والتخصصية المختلفة، والتي أسهمت في تطوير قدراته القيادية والإدارية، حتى نال رتبة ملازم أول.

وقد شغل منصب مدير التموين العسكري في اللواء الثالث مدرع، وهو منصب يعكس حجم الثقة التي حظي بها، لما عُرف عنه من النزاهة والدقة وحسن الإدارة، وظل يؤدي مهامه بكل إخلاص حتى عام 1990م.

خامساً: مرحلة الوحدة اليمنية

عقب إعلان الوحدة بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م، نُقل اللواء الثالث مدرع إلى محافظة عمران، ضمن عملية إعادة تموضع الوحدات العسكرية في تلك المرحلة.

وعاش الشهيد مع زملائه تلك المرحلة بما حملته من متغيرات سياسية وعسكرية، وظل يؤدي واجبه العسكري بكل التزام وإخلاص، محافظاً على القسم الذي أداه في خدمة وطنه.

سادساً: الاستشهاد

مع اندلاع الحرب في 27 أبريل 1994م، تعرض اللواء الثالث مدرع لهجوم عنيف.

وفي ذلك اليوم، كان الشهيد قد خرج لتوه من المسجد بعد أن أدى الصلاة، ولم يكن يحمل سلاحاً، بل كان خارجاً من بيت الله بقلبٍ مطمئن وروحٍ عامرة بالإيمان.

إلا أن يد الغدر امتدت إليه، فأُطلقت عليه النيران وهو في طريق عودته، ليسقط شهيداً في اليوم نفسه، الموافق 27 أبريل 1994م، ويرتقي إلى جوار ربه، بعد أن ختم حياته بأعظم خاتمة، خارجاً من بيت من بيوت الله.

لقد كان استشهاده خسارة كبيرة لأسرته ووطنه ورفاقه، لكنه ترك وراءه سيرةً طيبة ومواقف خالدة، ستظل شاهدة على إخلاصه ووفائه وتفانيه في أداء واجبه.

الخاتمة

سيبقى الشهيد الملازم أول عبدالناصر علي محمد شيخ الهيثمي واحداً من أبناء مديرية سرار الذين سجلوا أسماءهم في صفحات المجد والبطولة، بعد أن عاش حياةً عنوانها الانضباط، والإخلاص، وحسن الخلق، وختمها بالشهادة.

لقد أثبت أن الرجال لا تُخلدهم سنوات العمر، وإنما تخلدهم مواقفهم ومبادئهم، وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة أبناء سرار والجنوب، وفي سجل الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الكرامة والوطن.

رحم الله الشهيد رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأهله خير الجزاء، وجعل ذكراه خالدة في نفوس الأجيال.

المصدر

من كتاب: (الخالدين)

تأليف: الأستاذ/ عبدالوهاب العمري