كتب - سعدان مسعد اليافعي
في سجل التاريخ الوطني الجنوبي، هناك أسماء لا تُكتب بالحبر فحسب، بل تُحفر في ذاكرة الأرض والوجدان بما قدمته من تضحيات، وبما جسدته من قيم النبل والوفاء. ومن بين هؤلاء الرجال الذين لم تنل منهم السنون، بل زادتهم إصرارًا على المضي في طريق الكرامة، يبرز اسم الشيخ المناضل عبد الهادي سعيد صالح "أبو مرشد"، مدير مكتب الشهداء بمديرية المفلحي، ذلك الرجل الذي اختزلت شخصيته معاني الإخلاص للوطن الجنوبي والمحبة لشعبه وأهله...
مسيرة حافلة بالتضحية
لم تكن رحلة الشيخ "أبو مرشد" نضالًا عابرًا، بل كانت مسيرة ممتدة بدأت منذ فجر الاستقلال الأول في أكتوبر المجيد، حيث كان جزءًا من جيل حمل على عاتقه أمانة بناء الوطن والذود عن سيادته. ومع انطلاق الثورة الجنوبية (الحراك الجنوبي)، لم يكتفِ الشيخ بالوقوف موقف المتفرج، بل تقدم الصفوف كداعم ومساند وثائر ميداني لا يعرف الكلل، متحديًا تقدمه في السن بإرادة صلبة وعزيمة شبابية، ليؤكد أن حب الجنوب لا يقاس بالأعمار، بل بما يختزنه القلب من إيمان بالقضية العادلة..
صمود أبو مرشد
في زمن المحن، وحين أطلت الحرب العدوانية التي شنتها مليشيات الحوثي على الجنوب، كان الشيخ "أبو مرشد" في الموعد كعادته، لم يكن وجوده في الجبهات شرفيًا، بل كان دورًا فاعلًا ومؤثرًا. لقد تحول إلى شريان حياة للمقاتلين، يسهر على تسيير قوافل الدعم والإمداد، ويواصل جهده النضالي المتواصل إلى كل جبهة تستغيث، مشاركًا المقاتلين تفاصيل معاناتهم وآمالهم في النصر...
إنسانيته تتجاوز الواجب
بصفته مديرًا لمكتب الشهداء والجرحى في مديرية المفلحي، حمل الشيخ عبد الهادي أمانة ثقيلة، لكنه أداها بقلب الأب وروح المسؤول. لم يكن عمله مجرد إجراءات إدارية، بل كان مهمة إنسانية نبيلة، حيث سخر جل وقته لرصد احتياجات أسر الشهداء، ومتابعة علاج الجرحى الذين نزفوا من أجل كرامة الجميع. كان صوته حاضرًا مع كل حدث يسقط فيه شهيد من أبناء المديرية، ويده ممدودة بالدعم لكل أسرة فقدت عائلها، مانحًا إياهم السلوى والاهتمام الذي يستحقونه، راصدًا ومتوثقًا لتضحياتهم ومدافعًا عن حقوقهم...
وقد نال من قيادة محافظة لحج التكريم الذي حظي به الشيخ، ممثلًا بالمحافظ التركي ونائبه الصلاحي ومدير أمنها الفقيد صالح السيد، والقيادة العامة لهيئة رعاية أسر الشهداء والجرحى. ليس مجرد شهادة ورقية أو درع خشبي أو ميدالية تُعلّق على الأعناق، بل هو اعتراف مستحق بدور نضالي وإداري وإغاثي متفرد. لقد استحق هذا الرجل الصنديد هذا التقدير، لأنه أثبت أن القائد الحقيقي هو من يظل بين الناس، يشعر بوجعهم ويشاركهم تحدياتهم، ويظل وفيًا لمبادئه حتى في أحلك الظروف التي مر بها الجنوب قديمًا وحديثًا وفي مختلف المنعطفات الوطنية...
إننا إذ نكتب عن الشيخ عبد الهادي سعيد صالح "أبو مرشد"، إنما نكتب عن نموذج للرجل الجنوبي الأصيل الذي جعل من حياته فداءً للوطن الجنوبي. تحية إجلال لهذا الرجل الذي علمنا أن التضحية لا تعرف سنًا، وأن العطاء في سبيل الحق هو أسمى درجات الوفاء.
دمت يا أبا مرشد رمزًا للعطاء ومنارة للعمل الإنساني والوطني، وستظل أفعالك شاهدًا حيًا على جيل لم يبخل على وطنه الجنوبي بشيء