آخر تحديث :الخميس-14 مايو 2026-11:15م
أخبار وتقارير


كم كنتَ راجحًا يا راجح!!

كم كنتَ راجحًا يا راجح!!
الخميس - 14 مايو 2026 - 10:02 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/د.عيدروس نصر

خبرٌ فاجعٌ تناقلته اليوم وسائل الإعلام والمواقع الصحفية والإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي... خبر وفاة القائد النقابي والمناضل الأكتوبري الفقيد راجح صالح ناجي.

توقف قلب راجح، وصاحبه صامتٌ صمت الأولياء الصالحين، وزاهدٌ في الحياة ومغرياتها الزائفة زهد المتصوفين. لم يكتب أحدٌ عن مرضه ومعاناته، أو عن تنقله بين المستشفيات الأجنبية والعواصم العالمية بحثًا عن العلاج والاستشفاء، لأنه لم يكن يحب الضجيج، ولا يلوذ بصخب الدعايات والجري وراء المغريات.

تغيّب راجح عن الإعلام، وهو الذي كان اسمه وصوته يملآن الأفق ذات زمن، لكنه اختار المنفى الداخلي، وابتعد عن الناس والأضواء ووسائل الإعلام وضجيج السياسة وصخب الميديا، وفضّل الاعتكاف في منزله بمدينة عدن الحبيبة، قانعًا بحفنة الريالات التي تبقت له من الراتب المستحق، والتي تأتي شهرًا وتنقطع أشهرًا، بعد أن تضاؤلت قيمتها ولم تعد تكفي لتسديد فاتورة الكهرباء، ولا لشراء الماء وبعض أرغفة الخبز التي تزداد نحافةً وفقرًا.

كان راجح ابن الحركة النقابية العمالية في عدن منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، إذ بدأ حياته عاملًا بسيطًا في إحدى الورش بمدينة عدن، ثم صار رئيسًا للجنة نقابية، وانخرط في الحركة السياسية والوطنية خلال تلك المرحلة، وكان فاعلًا ميدانيًا قويًا في مختلف المنعطفات والمواقف التي مرت بها الحركة الوطنية التحررية قبل الاستقلال وبعده، من خلال حضوره المؤثر في مراحل البناء الوطني.

كان راجح إحدى الشخصيات الوطنية البارزة، وأحد الأصوات النقابية المميزة طوال مسيرته السياسية والنقابية.

تدرّج الفقيد في المسؤوليات النقابية حتى أصبح أمينًا عامًا للاتحاد العام لنقابات عمال جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وفي زمنه، كما في زمن أسلافه وزملائه من المناضلين، أمثال مهدي عبد الله سعيد، وسلطان الدوش، وفضل علي عبد الله وغيرهم، كانت الحركة النقابية أحد الأعمدة الأساسية في البنية الوطنية والاجتماعية للنظام الوطني الفتي، وكان صوت الطبقة العاملة قويًا وحاضرًا من خلال اتحاد نقاباتها، وكان راجح ورفاقه من المعبّرين الأوفياء عن مصالح الطبقة العاملة والمدافعين عنها.

وبعد انتخابات مجلس الشعب الأعلى عام 1988م، ترقّى الفقيد ليصبح عضوًا في هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى، وهي أعلى هيئة في نظام الحكم آنذاك.

لم يكن “راجح” اسمًا فحسب، بل كان راجحًا في انحيازه إلى قضايا الحرية والانتماء الوطني ونصرة الحق والعدل والمواطنة المتساوية ودولة النظام والقانون.

لم يطمع راجح يومًا بمصالح شخصية، ولم يمارس الأنانية السياسية، بل كان زاهدًا في متاع الحياة، يأخذ منها أقل القليل، لكنه امتلك شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والوطنية والإقليمية والدولية، مكّنته من نسج علاقات متينة مع مختلف الشرائح الاجتماعية في الجنوب، ومع ممثلي الحركة النقابية العربية والعالمية.

وبعد عام 1990م، أصبح راجح رئيسًا للاتحاد العام لنقابات عمال اليمن، فيما تولى زميله يحيى الكحلاني مهمة الأمين العام للاتحاد، الذي جرى دمجه بصورة عشوائية، كما جرى دمج كل شيء في البلاد بتلك الطريقة غير المدروسة وغير المحمودة.

ولم تستمر تلك الحالة سوى ثلاث سنوات، ليجري مع فقيدنا الوطني والنقابي ما جرى مع كثير من الكوادر الجنوبية من استبعاد وإقصاء وتهميش وتجاهل، وليغدو واحدًا ممن أُخرجوا من المشهد، وأُقصوا من الحياة السياسية والاجتماعية والنقابية قسرًا، وعوملوا داخل وطنهم معاملة الأعداء.

وأثناء حرب 1994م أُجبر الفقيد على النزوح إلى خارج البلاد، ضمن مئات الآلاف من المبعدين من القادة والكوادر السياسية والعسكرية الجنوبية، لكن راجح، المدمن على رائحة الأرض والمولع بحب ترابها، لم يستطع البقاء طويلًا في الخارج، فعاد بعد شهور من كارثة الحرب ليقيم في منزله بمدينة عدن، مواصلًا نشاطه السياسي في إطار الحزب الاشتراكي، الذي عانى هو الآخر، ومعه كوادره، من التهميش والإقصاء.

وربما شعر الفقيد أن الحياة السياسية الممتلئة بالمفاسد والموبقات وأمراض المزايدات والانتهازية لم تعد تصلح له ولأمثاله، وهو الذي نشأ وترعرع على ثقافة الانتماء والنزاهة والصدق والوفاء للوطن وأهله، ولذلك اعتكف في سنواته الأخيرة، ولم يعد صوته يُسمع، ليس لأنه لا يملك ما يقول أو يفعل، ولكن لأن الفضاء صار لا يتسع إلا للانتهازيين والمزايدين ومقتنصي الفرص.

تألمت كثيرًا وأنا أسمع نبأ وفاة هذا الرجل الذي أعطى حياته كلها للوطن، ولم يأخذ منه سوى منزل قديم ظل يسدد أقساطه سنوات طويلة.

إنني، في هذا الحدث الأليم، أعزّي نفسي أولًا بفقدان قائد ورفيق مثّل بالنسبة لي نموذجًا في النزاهة والاستقامة والتواضع والكبرياء الوطنية، كما أعزّي أسرة الفقيد، وإخوانه محمد وحسين، وجميع أهله وذويه، وأعزّي رفاقه وزملاءه ومحبيه، ومنتسبي الحركة النقابية الجنوبية كافة.

كما أتوجه بالتعزية إلى الدكتور عبد الرحمن السقاف، الأمين العام للحزب الاشتراكي، وإلى جميع قيادات وقواعد الحزب في المركز والمحافظات، مبتهلًا إلى الله العلي القدير أن يرحم فقيدنا، وأن يتغمده بالمغفرة والرضوان، ويسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والصالحين، وأن يمنّ على أهله وذويه ومحبيه بالصبر والسلوان والثبات.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.