بقلم: أحمد يسلم
في زمنٍ تتصدر فيه الأسماء واجهات المشهد، يبقى هناك رجال يعملون بعيدًا عن الأضواء وضجيج الإعلام، لكن آثارهم حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للناس. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ محمد مسعود عبدالله السعدي، مدير عام التخطيط برئاسة الجمهورية، وأحد الكوادر الإدارية الهامة، بوصفه نموذجًا لما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية التنمية"، حيث تتحول العلاقات والخبرة إلى أدوات لخدمة المجتمع لا لتحقيق المصالح الشخصية.
لم يكن محمد مسعود موظفًا تقليديًا في جهاز الدولة، بل شخصية محورية تولت مهام التنسيق مع أعضاء مجلس النواب ومدراء عموم يافع في محافظتي لحج وأبين، لمتابعة وإنجاح المشاريع التنموية. وقد برز من خلال لعب أدوار مرئية وغير مرئية في متابعة واعتماد مشاريع خدمية وتنموية في عدد من المحافظات، خصوصًا في يافع وأبين ولحج. ويكاد يجمع من عملوا معه أو عايشوا تلك المراحل على أنه كان حلقة وصل فاعلة بين السلطات المحلية ومراكز القرار، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة مع مسؤولين حكوميين، دون أن يُعرف عنه توظيف تلك العلاقات لمنافع خاصة إطلاقًا.
وعلى امتداد سنوات، ارتبط اسمه بملفات حيوية، أبرزها مشاريع الطرق والكهرباء والمياه، إضافة إلى مساهماته في دعم القطاع الصحي ومتابعة احتياجات بعض المستشفيات. كما كان حاضرًا في ملفات البنية التحتية التي شكلت فارقًا في حياة الناس، سواء من خلال الدفع لاعتماد مشاريع جديدة أو استكمال أخرى متعثرة، في ظروف لم تكن سهلة على مستوى الدولة والإمكانات.
وفي قطاع الكهرباء، تشير شهادات محلية إلى دوره في متابعة إدخال عدد من المحطات ضمن منظومة المؤسسة العامة للكهرباء، وتأمين احتياجات تشغيلها، إلى جانب جهوده في دعم الشبكات الكهربائية في مناطق ريفية وجبلية. أما في قطاع الطرق، فقد ارتبط اسمه بعدد من المشاريع التي مثلت شريان حياة لمديريات كاملة، وأسهمت، وما زال مأمولًا منها، في فك العزلة وتحسين الحركة الاقتصادية والخدمية.
ويأتي في مقدمة تلك المشاريع طريق باتيس – رصد – معربان الاستراتيجي، الذي يربط بين محافظتي أبين ولحج، ويسهل الوصول عبره إلى عدد من المحافظات الأخرى. وهنا تبرز واقعة كادت أن تعصف بحلم المشروع، ضمن واحدة من خفايا ومقالب صنعاء التي تنبه لها محمد مسعود بحكم موقعه في الرئاسة.
وخلاصة تلك الواقعة أنه علم، من طرف خفي، بوجود رسالة حكومية صادمة موجهة إلى دولة قطر الشقيقة، تطلب تحويل ما تبقى من مبلغ 90 مليون دولار من المنحة القطرية المخصصة للطريق، لبناء قاعة مؤتمرات دولية في صنعاء.
في تلك اللحظة، لم يتردد محمد مسعود، ورغم حساسية منصبه، إلا أن انحيازه لمعاناة أهله كان أقوى. ففي "مغامرة شجاعة"، قام بتسريب صورة الرسالة عبر الفاكس بسرية تامة، لتكون تلك الوثيقة الشرارة التي أشعلت غضب السلطة المحلية في أبين، حيث أجمع المكتب التنفيذي والمجلس المحلي بالإجماع، برئاسة المهندس فريد مجور المحافظ حينها، ونائبه الأمين العام ناصر عبدالله عثمان، على إصدار بيان تاريخي زلزل الأوساط السياسية، ووصل صداه إلى قمة الهرم، ما أجبر الرئاسة وقيادة الحكومة حينها على التراجع، والإبقاء على مشروع طريق باتيس – رصد – معربان، بطول 96 كيلومترًا، ضمن إطار المنحة القطرية.
وما يميز تجربة محمد مسعود، بحسب معرفتي الأكيدة بشخصه النبيل، هو اعتماده على العمل التراكمي والصبر الطويل، بعيدًا عن الكسب والشكوى والظهور الإعلامي. فقد ظل لسنوات يتابع الملفات من مكاتب الوزارات في صنعاء، متنقلًا ومشاركًا في لقاءات ووساطات هدفت إلى تحريك مشاريع ظلت حبيسة الأدراج. وفي كثير من تلك الجهود، كان يعمل ضمن فرق تضم مسؤولين محليين ونوابًا ووزراء وشخصيات وازنة، في إطار عمل جماعي يخدم مناطق واسعة من البلاد، وكان خلالها حلقة الوصل والتنسيق والحركة.
كما امتدت مساهماته إلى التنسيق مع منظمات وجهات دولية، والمشاركة في تهيئة ملفات ذات طابع ثقافي وتنموي، ومنها المشاركة في نزول وفد اليونسكو إلى القارة التاريخية ومدينة بني بكر لاحقًا، لإدراجهما ضمن قائمة التراث العالمي، وهو ما يعكس تنوع أدواره بين العمل الإداري والتنموي والعلاقات العامة في آن واحد.
ورغم هذا الحضور الممتد، ظل اسم محمد مسعود بعيدًا عن دائرة التكريم الرسمي والمجتمعي، وهو ما يدفع اليوم إلى إعادة طرح سيرته كنموذج يستحق التوقف عنده. فتكريم مثل هذه الشخصيات لا يقتصر على الاعتراف بجهود فرد، بل يعكس تقديرًا لقيم العمل العام القائم على النزاهة ونكران الذات.
وأجزم أن ترشيح محمد مسعود لنيل "جائزة العر" يأتي في هذا السياق، بوصفه أحد النماذج التي خدمت من مواقع غير ظاهرة وبنكران ذات، وأسهمت في تحقيق منجزات ملموسة على الأرض. فالرجل، وفق ما يرويه زملاؤه، لم يسعَ إلى منصب، ولم يوظف موقعه لمكاسب شخصية، بل كرّس جهده لمتابعة قضايا الناس، متنقلًا بين الملفات بصبر لافت.
وفي الوقت الذي تمتلئ فيه الساحة بالأسماء اللامعة، تبدو الحاجة قائمة للالتفات إلى من عملوا بصمت، وتركوا أثرًا حقيقيًا دون ضجيج. ومحمد مسعود، بما يحمله من سجل عملي طويل، يظل أحد هؤلاء الذين تستحق تجربتهم أن تُروى، وأن تُنصف، وأن تُقدَّم بوصفها مثالًا على الوجه الآخر للعمل العام.
أما التفاصيل الواسعة لمسيرته، بما تحمله من مواقف ومحطات مفصلية، فهي أكبر من أن تُختزل في مقال، لكنها تظل حاضرة في ذاكرة الناس، وفي ما تحقق على الأرض من مشاريع ما زالت شاهدة على جهد امتد لسنوات.