آخر تحديث :السبت-18 أبريل 2026-02:07ص
أخبار وتقارير


ما حصل في لواء بارشيد ظاهرة خبيثة لها أبعاد سياسية وعسكرية

ما حصل في لواء بارشيد ظاهرة خبيثة لها أبعاد سياسية وعسكرية
السبت - 18 أبريل 2026 - 12:54 ص بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب: أكرم العلوي

رغم ما سيطرت عليه قيادات جنوبية قبل أحداث حضرموت، إلا أنها لم تصل إلى حد فصل جنود شماليين واستبدالهم بجنوبيين، كما حدث في لواء بارشيد بحق جنود جنوبيين.

القيادة ليست شعارات تُرفع في المنصات، ولا خطابات تُعبّأ بها الساحات. القيادة موقف، واختبارها الحقيقي يكون عند المحك؛ حين تتعارض المصلحة الضيقة مع المبدأ، وحين يصبح القرار سيفًا يقطع أو ميزانًا يعدل.

قبل أحداث حضرموت الأخيرة، أمسكت قيادات محسوبة على الجنوب بملفات أمنية وعسكرية حساسة في أكثر من محافظة. صار بيدها القرار، والتعيين، والعزل، والموازنة، والسلاح. كان الرهان كبيرًا على أن هذه اللحظة ستؤسس لعقد جديد قوامه الإنصاف، وأن الظلم الذي مُورس لعقود لن يتكرر، حتى لو تغيرت الوجوه.

لكن ما جرى على الأرض كشف فجوة مؤلمة بين الخطاب والممارسة. فبينما كان المفترض أن يكون المعيار هو الكفاءة والانضباط والولاء للمؤسسة، تسللت المحسوبية المناطقية من الباب الخلفي. والأخطر أن هذه القيادات، رغم ما أُتيح لها من تمكين، لم تجرؤ على كسر القاعدة القديمة: ألا يُفصل جندي شمالي ليحل محله جنوبي، حتى لو اقتضت الضرورة العسكرية والإدارية ذلك.

لواء بارشيد في ساحل حضرموت كان الشاهد الأوضح؛ إذ تم فصل جنود جنوبيين واستبدالهم بشماليين، مع تبرير ذلك بذريعة ما نشب من أحداث حضرموت. وبغضّ النظر عن تفاصيل المبررات، فإن الرسالة التي وصلت إلى الشارع كانت قاسية: عندما يتعلق الأمر بالجنوبي، يكون الفصل ممكنًا وسريعًا، أما حين يكون الطرف الآخر جنديًا شماليًا، فتصبح الملفات معقدة، والإجراءات طويلة، والقرار مجمدًا.

هذا السلوك، الذي يحمل أبعادًا سياسية وعسكرية، ضرب مصداقية القيادات الجنوبية في مقتل؛ لأن الناس لا تحاسبك على ما تقول، بل على ما تعجز عن فعله رغم امتلاكك أدواته. السيطرة على القرار تعني تحمّل تبعاته، وأول تبعات القرار العادل أن يُطبَّق على الجميع بميزان واحد.

المشكلة لا تكمن في ضعف الصلاحيات؛ فالقيادات التي نتحدث عنها كانت تملك سلطة التعيين في المعسكرات والأحزمة والنخب، لكن الأسباب الحقيقية تتلخص في ثلاثة أمور:

أولًا، الخشية من أن تُوصف أي خطوة لإحلال كوادر جنوبية مكان أخرى شمالية بأنها مناطقية أو انفصالية، ما أدى إلى تجنب الصدام ولو على حساب المبدأ.

ثانيًا، تراكمات سنوات طويلة خلقت مصالح مالية وإدارية متشابكة يصعب تفكيكها بقرار واحد، ومن يدير هذه الشبكة يدرك أن أي تغيير جذري سيفتح عليه جبهات لا يريدها.

ثالثًا، حين تُدار القوة العسكرية بعقلية الولاءات لا بعقلية الدولة، يصبح تغيير الأفراد خطرًا على القائد نفسه، فيُبقي على التوازنات القديمة لأنها أضمن لبقائه.

جاءت أحداث حضرموت الأخيرة لتضع النقاط على الحروف. طالب الشارع بقرارات سيادية تمس جوهر المعادلة، وكان الاختبار واضحًا: هل تستطيع القيادة الجنوبية الممسكة بالأرض أن تفرض إرادة أهلها؟ النتيجة أن السقف الذي وصلت إليه كان دون التوقعات، لأن اليد التي تفصل الجنوبي في بارشيد ترتجف حين يكون الملف شماليًا.

هنا يسقط ادعاء المظلومية التاريخية؛ فالمظلوم عندما يتمكن ثم يمارس الانتقائية نفسها، يفقد حق الشكوى ويتحول إلى نسخة أخرى من نقيضه. الناس لا تريد ظالمًا جنوبيًا بدلًا من ظالم شمالي، بل تريد مؤسسة لا تعرف شماليًا ولا جنوبيًا، وإنما تعرف الجندي المنضبط والضابط الكفء.

الاعتراف بالمشكلة هو أول الحل، والخطوات العملية تبدأ بـ:

اعتماد معيار الكفاءة والانضباط فقط، وتطبيقه على الجميع بلا استثناء.

فصل كل من يخل بهذا المعيار، سواء كان من الضالع أو من ذمار.

بناء مؤسسة عسكرية تسبق السياسة، لا أن تكون تابعة لها.

فتح تحقيق علني وشفاف في قرارات الفصل التي طالت الجنود الجنوبيين، ونشر نتائجه؛ فالعدالة المتأخرة خير من الصمت.

وأخيرًا، فإن أي قائد لا يستطيع أن يفصل جنديًا شماليًا مُخلًّا كما يفصل الجنوبي، فهو غير مؤهل لقيادة مرحلة تدّعي الإنصاف.

لقد خسر الجنوب كثيرًا، لأنه قدّم التضحيات وقَبِل بتأجيل الحسم. وستكون خسارته أكبر إذا كرر أخطاء خصومه وهو يمتلك القرار. فالقوة الحقيقية ليست في عدد الأطقم ولا في مساحة السيطرة، بل في القدرة على قول “لا” للمحسوبية، و“نعم” للمؤسسة، مهما كان الثمن.

ما لم تكسر القيادات الجنوبية هذه القاعدة — قاعدة أن الشمالي خط أحمر وظيفي — فإن كل ما سيطرت عليه قبل أحداث حضرموت وبعدها سيبقى سلطة بلا سيادة، وقرارًا بلا إرادة.