آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-03:39ص
أخبار وتقارير


ما عملُ دولةٍ تُسمّى "الشرعية" في اليمن، وهي لم تستطع توفير رواتب للجيش والأمن؟

ما عملُ دولةٍ تُسمّى "الشرعية" في اليمن، وهي لم تستطع توفير رواتب للجيش والأمن؟
الخميس - 16 أبريل 2026 - 01:19 ص بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب: أكرم العلوي

تُعرَّف الدولة، في أبسط معانيها، بأنها كيان يحتكر أدوات القوة، ويوفّر الحماية والأمن والخدمات الأساسية مقابل ولاء المواطن واعترافه بشرعيتها. فإذا عجزت عن أداء هذه الوظيفة الجوهرية، فإن سؤال "ما عملها؟" يصبح مشروعاً، بل مُلحّاً. هذا هو حال ما يُسمّى بـ"الحكومة الشرعية" في اليمن اليوم.

بعد عشر سنوات من الحرب والانهيار، تبقى الوظيفة الأولى لأي سلطة هي حماية من تدّعي تمثيلهم. والجيش والأمن هما ذراع الدولة التنفيذية لحفظ السيادة وفرض القانون. وعندما تعجز "الشرعية" عن دفع رواتب منتظمة للجندي في المترس، وللضابط في غرفة العمليات، وللشرطي في نقطة التفتيش، فهي عملياً تتخلّى عن أداتها الوحيدة للبقاء.

الجندي الذي لا يجد ما يسدّ به جوع أطفاله يتحوّل من مدافع عن "الشرعية" إلى باحث عن شرعية أخرى تؤمّن له الحد الأدنى من الحياة. والنتيجة: تآكل الجبهات، وتفكك الوحدات، وبيع السلاح، وتحوّل كثير من المعسكرات إلى هياكل فارغة بلا قوة حقيقية. فأي "شرعية" هذه التي لا تستطيع حماية من يحمونها؟

السبب المباشر لانهيار الرواتب هو فقدان السيطرة على الموارد. فالموانئ، والنفط، والغاز، والضرائب، والجمارك، كلها إما خارج سلطة الحكومة، أو موزّعة بين سلطات أمر واقع، أو مرهونة لقرارات خارجية. والبنك المركزي في عدن يطبع عملة بلا غطاء، بينما بنك صنعاء يدير دورة نقدية مختلفة، والمواطن بينهما يدفع ثمن انهيار العملة.

الدولة التي لا تجبي مواردها ولا تنفقها لا تملك قراراً، بل تتحوّل إلى مكتب تنسيق لاستلام المساعدات والودائع، ثم إعادة توزيعها وفق شروط المانحين. وهنا تنقلب المعادلة: فبدلاً من أن تكون "الشرعية" هي من تمنح الشرعية للآخرين، أصبحت هي من تستمد شرعيتها من اعتراف الخارج بها، ومن رواتب محدودة تُصرف كل ثلاثة أو أربعة أشهر كمنحة لا كحق.

المواطن العادي لا يأكل بيانات، ولا يشرب قرارات. يسأل سؤالاً بسيطاً: ماذا قدّمت لي هذه "الشرعية"؟ كهرباء مقطوعة، مياه ملوّثة، مستشفيات بلا دواء، مدارس بلا معلمين، قضاء معطّل، وجواز سفر يُستخرج بشقّ الأنفس. حتى الوظيفة المدنية الأساسية، توثيق الولادة والوفاة والزواج، أصبحت معركة بيروقراطية.

عندما تفشل الدولة في وظيفة "الرعاية"، وتنتقل هذه الوظيفة إلى المنظمات الدولية والجماعات المحلية والسلطات المنافسة، فإن المواطن ينزع ولاءه تلقائياً. فالشرعية ليست صكاً قانونياً يُعرض في الأمم المتحدة، بل عقد اجتماعي يومي يُجدَّد بالخدمة والحماية.

ومنذ اتفاق الرياض وتشكيل "مجلس القيادة الرئاسي"، أصبحت "الشرعية" لجنة لا رئاسة. ثمانية أعضاء، كلٌّ منهم يمثّل مشروعاً ومنطقة وداعماً خارجياً. هذا التفكك أفرز جيوشاً متعددة داخل "الجيش الشرعي" الواحد، لكلٍّ منها راتب من جهة، وأمر من جهة، وولاء لجهة.

النتيجة: لا مركز قرار موحّد للمعركة، ولا خزينة موحّدة للرواتب، ولا هدف سياسي موحّد للتفاوض. فكيف تُدار دولة بلا مركز؟ وكيف يُدفع راتب لجيش لا يعرف قائده الفعلي؟

لم يتبقَّ لـ"الشرعية" إلا ثلاث وظائف شكلية: مقعد في الأمم المتحدة، وسفارات تستقبل المنح، وخطابات في المحافل الدولية. شرعنة التدخلات، وتمرير الودائع، والتفاوض باسم بلد لا تسيطر على 80% منه، إضافة إلى تعيينات ومناصب في مؤسسات بلا موازنة ولا موظفين، لتوزيع ما تبقّى من كعكة النفوذ.

هذه ليست وظائف دولة، بل وظائف "سلطة أمر واقع" تملك الاعتراف الدولي فقط. والفرق بينها وبين بقية سلطات الأمر الواقع في اليمن أن الآخرين يسيطرون على الأرض ويقدّمون حدّاً أدنى من الإدارة، بينما هي تسيطر على "الختم" فقط.

الشرعية الحقيقية لا تأتي من قرار أممي ولا من بيان خارجية، بل تُكتسب عندما يتقاضى الجندي راتبه من خزينة دولته، لا من حقيبة دبلوماسي. وعندما يفتح المواطن صنبور الماء فيجده يجري، لا عندما يقرأ عن "خطة تعافٍ" في مؤتمر صحفي.

ما لم تستعد "الشرعية" وظيفتها الأساسية كدولة: جباية، حماية، خدمة، وعدالة، فإن سؤال "ما عملها؟" ستكون إجابته: لا شيء، سوى إدارة الانهيار وتأجيل إعلانه.

الدولة التي لا تُطعم جندها، سيأكلها غيرها.