في المراحل الانتقالية المعقدة لا تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على حسم خلافاتها بل بقدرتها على إدارتها دون أن تتحول إلى انقسام يُعطل مسارها وهذه هي معضلة اللحظة الراهنة حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية وتتداخل التوازنات الإقليمية مع التحولات الدولية في بيئة تتطلب وعيًا جمعيًا ناضجًا وخطابًا مسؤولًا
ما نعيشه ليس أزمة عابرة بل لحظة إعادة تشكّل تُختبر فيها صلابة المجتمعات وفي مثل هذه اللحظات يصبح الشك المتبادل وفقدان الثقة أخطر من أي تهديد خارجي لأنه يُفكك البنية الداخلية التي يقوم عليها الاستقرار
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات ليس بإلغاء التباينات بل بإدارتها ضمن مساحة توافق مشتركة تُقدم ما يجمعنا على ما يفرقنا فالتجارب تُثبت أن المجتمعات التي تعبر الأزمات هي تلك التي تؤجل صراعاتها الثانوية وتتفق على مبادئ عريضة تحفظ التماسك وتفتح الطريق نحو البناء
ولا يعني هذا التوجه بأي حال انتزاع عناصر القوة من أي طرف أو تذويب خصوصية مواقفه بل على العكس إنه يقوم على مبدأ التنسيق الذكي وتكامل مصادر القوة بحيث تُدار هذه الإمكانات المتنوعة السياسية والمجتمعية والاقتصادية ضمن رؤية مشتركة تُحسن توظيفها لصالح الهدف العام فالقوة حين تتوزع دون تنسيق تُستنزف أما حين تتكامل فإنها تتحول إلى رافعة جماعية تُعزز الموقف العام وتُضاعف أثره
إن استعادة الثقة تبدأ من السلوك والخطاب لا من البيانات فالتآخي والتراحم ليسا شعارات أخلاقية فحسب بل أدوات استراتيجية لإعادة إنتاج الاستقرار والمجتمع الذي تتآكل فيه الثقة يفقد قدرته على التعاون ويُصبح أكثر عرضة للاستقطاب
اقتصاديًا لا استقرار دون تحسين معيشة الناس فكل جهد سياسي لا ينعكس على حياة المواطن يظل ناقصًا ومن هنا فإن دعم المشاريع الصغيرة وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وتمكين المبادرات الإنتاجية تمثل أدوات مباشرة لإعادة بناء الثقة وربط المواطن بالدولة
إقليميًا ودوليًا تفرض الواقعية إدراك أن الحلول تُصاغ ضمن توازنات أوسع ما يستدعي خطابًا عقلانيًا وشراكات قائمة على المصالح المشتركة فحسن إدارة العلاقات الخارجية جزء من تثبيت الاستقرار الداخلي
غير أن كل ذلك يبقى مرهونًا بقدرتنا على تثبيت قواعد أساسية حماية السلم المجتمعي تحييد الخدمات تعزيز العدالة واحترام التنوع فهذه القواعد لا تُلغي الاختلاف لكنها تمنع تحوّله إلى صدام
إن تأجيل القضايا الخلافية الكبرى ليس تفريطًا بالحقوق بل تعبير عن نضج يُدرك أن الحفاظ على الكيان المجتمعي هو شرط أي استحقاق سياسي قادم فالحقوق تُصان بالحكمة لا بالاستنزاف
لقد آن الأوان للانتقال من منطق إثبات المواقف إلى صناعة النتائج ومن استدعاء الخلاف إلى استثمار المشتركات فالمجتمع القادر على تحويل أزماته إلى فرص هو الذي ينتصر على أسباب الانقسام داخله
إن بناء التوافق يبدأ بخطوات عملية خطاب مسؤول مبادرات مشتركة جسور ثقة وحوار صادق وعندما تتراكم هذه الجهود تتحول الإمكانات إلى واقع ويجد الناس طريقهم نحو حياة كريمة واستقرار مستدام
والله ولي التوفيق
المستشار
سالم سلمان
نائب وزير الصناعة والتجارة